الزيدي يحدد بوصلة العراق: الاقتصاد أولاً

قسم الدراسات والأبحاث

الزيدي يحدد بوصلة العراق: الاقتصاد أولاً

الزيدي يحدد بوصلة العراق: الاقتصاد أولاً

حسن البدري

رئيس مركز البوصلة للحوار والدراسات

في لقاءات تمهيدية واستراتيجية وفي اجتماعات ثنائية وشراكات متكررة وعبر جولات خارجية سابقة وأخرى مرتقبة يبدو أن رئيس الوزراء علي فالح الزيدي يحدد بوصلة حكومته بوضوح (الاقتصاد اولاً ) . فالعراق في هذه المرحلة لا يحتاج إلى إدارة الأزمات فقط بل يحتاج إلى بناء شراكات اقتصادية حقيقية تعيد تعريف موقعه في محيطه الإقليمي والدولي.

لكن قبل أن تتضح نتائج هذه التحركات الخارجية يبرز تاريخ ٣٠/ ايلول سبتمر  بوصفه محطة شديدة الأهمية في مسار حكومة الزيدي فهو التاريخ الذي يمكن أن يشكل الأرضية العملية لانطلاق مرحلة جديدة من عمل الحكومة، ويكشف بصورة أكثر وضوح  عن هويتها وقدرتها على تنفيذ خططها  أمام المحيط العربي والإقليمي والدولي.

لاسيما وان هناك لجنة مشكلة من قبل الاطار التنسيقي معنية بشكل أساسي بملف تنظيم وحصر السلاح بيد الدولة، وتوحيد القرار داخل مؤسساتها، وترسيخ سيادة الدولة في رسم سياساتها الداخلية والخارجية. 

ولذلك فإن ما سيجري بعد ٣٠-٩ قد يكون أكثر أهمية من مجرد موعد زمني لأنه سيضع الحكومة أمام اختبار الانتقال من الوعود إلى التنفيذ.

ومن هذه الزاوية قد لا يكون ٣٠-٩ أقل أهمية من تاريخ تكليف الزيدي نفسه بتشكيل الحكومة إذا ما تحول إلى نقطة انطلاق فعلية لمسار سياسي واقتصادي جديد، فنجاح الحكومة في تثبيت الاستقرار الداخلي سيكون شرطاً أساسياً لإنجاح مشروعها الاقتصادي وشراكاتها الخارجية.

وقبل هذه المحطة، تبرز أهمية اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وما قد يرافقها من لقاءات دولية رفيعة المستوى، ولا سيما احتمال لقاء الزيدي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الفترة الممتدة تقريباً من ٢٠-٢٦ أيلول/سبتمبر، وإذا ما عقد هذا اللقاء، فسيكون من المهم أن يتناول مراجعة الملفات التي نوقشت سابقاً والخطط الحكومية العراقية المقبلة، والبرامج التي جرى الاتفاق بشأنها، فضلاً عن مستقبل الشراكة الاقتصادية بين بغداد وواشنطن.

فالولايات المتحدة معنية من جانبها، بأن يبقى العراق مستقراً وقادراً على بناء اقتصاد متماسك وشراكات طويلة الأمد والاستقرار العراقي لا يمثل مصلحة لبغداد وحدها، بل يخدم المصالح الأمريكية في منطقة شديدة الحساسية.

وهنا تبرز الانتخابات النصفية الأمريكية في ٣ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٦ كعامل إضافي في الحسابات السياسية. فإذا نجحت إدارة ترامب في دعم شراكة اقتصادية مؤثرة مع العراق وتحولت هذه الشراكة إلى مشاريع واستثمارات وفرص حقيقية فقد تشكل ورقة إيجابية يمكن للرئيس الأمريكي توظيفها سياسياً قبل الانتخابات، خصوصاً أن الملفات الاقتصادية تظل من أكثر الملفات تأثيراً في الناخب الأمريكي.

وفي المقابل فإن العراق، رغم التحديات الاقتصادية التي يواجهها يبدو أكثر انفتاحاً على بناء شراكات حقيقية مع العالم. فالجولة الأوروبية الأخيرة والجولة العربية المرتقبة، إلى جانب المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تعكس توجهاً نحو إعادة تموضع العراق اقتصادياً ودبلوماسياً وعدم حصر علاقاته في نطاق جغرافي أو سياسي واحد.

ولعل أهم ما يميز هذه المرحلة أن الاقتصاد والعلاقات الخارجية أصبحا ملفين متلازمين فلا يمكن للعراق أن يبني اقتصاداً قوياً من دون علاقات دولية متوازنة ولا يمكن أن يستثمر علاقاته الخارجية من دون بيئة داخلية مستقرة وقرار دولة واضح.

ولهذا تبدو خطوات الزيدي الخارجية في تقديري، خطوات محسوبة أكثر من كونها مجرد جولات بروتوكولية. 

فالهدف النهائي ليس عدد الزيارات أو حجم اللقاءات، وإنما ما يمكن أن تنتجه من استثمارات، وشراكات، ومشاريع، ونقل للتكنولوجيا، وتنويع لمصادر الدخل، وربط العراق بمصالح اقتصادية طويلة الأمد مع مختلف الأطراف.

ويبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بعامل أساسي وهوالدعم السياسي الداخلي وقدرة الحكومة على تحويل الاتفاقات إلى نتائج ملموسة فإذا توافرت الإرادة السياسية واستمرت خطوات تثبيت الدولة ونجحت الدبلوماسية الاقتصادية فإن نتائج هذه التحركات لن تعود على حكومة الزيدي وحدها، بل على جمهورية العراق ومستقبلها الاقتصادي وموقعها الإقليمي والدولي.

إن العراق أمام فرصة لإعادة رسم بوصلته. والرسالة التي تبدو أكثر وضوحاً من تحركات الزيدي حتى الآن هي أن المعركة المقبلة ليست معركة شعارات وإنما معركة بناء الدولة وتوحيد مركزية القرار فيها وبناء اقتصاد وشراكات ومصالح اقتصادية متبادلة .