تطوير صناعة البتروكيماويات في العراق: بوابة الاكتفاء الذاتي وتنويع الاقتصاد في مواجهة تحديات تصدير النفط
قسم الدراسات والأبحاث
تطوير صناعة البتروكيماويات في العراق: بوابة الاكتفاء الذاتي وتنويع الاقتصاد في مواجهة تحديات تصدير النفط
أظهرت التطورات الإقليمية الأخيرة وما رافقها من اضطرابات في حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز مدى حساسية الاقتصاد العراقي لاعتماده الكبير على صادرات النفط الخام. فقد أدت التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وما تبعها من إجراءات أمنية وعسكرية متبادلة في منطقة الخليج، إلى فرض قيود مشددة على حركة السفن في أحد أهم الممرات المائية العالمية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على قدرة العراق في تصدير نفطه الخام خلال الأشهر الماضية.
ورغم ما تحمله هذه الأزمة من تحديات اقتصادية كبيرة، فإنها تمثل في الوقت ذاته فرصة استراتيجية للعراق لإعادة النظر في هيكل اقتصاده والانتقال من الاعتماد شبه الكامل على تصدير النفط الخام إلى اقتصاد أكثر تنوعاً يعتمد على الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة، وفي مقدمتها صناعة البتروكيماويات.
لقد شكل تصدير النفط الخام لعقود طويلة المصدر الرئيس للإيرادات العراقية، إلا أن هذا النموذج الاقتصادي جعل البلاد رهينة لتقلبات الأسواق العالمية وأسعار النفط، كما زاد من مخاطر الاعتماد على مورد واحد قد تتراجع أهميته مستقبلاً نتيجة التحولات العالمية في مصادر الطاقة أو انخفاض الاحتياطيات النفطية على المدى البعيد.
ومن هنا تبرز أهمية التوجه نحو إنشاء وتطوير صناعة بتروكيماوية وطنية متكاملة تستثمر الثروة النفطية والغازية في إنتاج آلاف السلع والمنتجات الصناعية، مثل المواد البلاستيكية بمختلف أنواعها، والنايلون، والزجاجات البلاستيكية، وإطارات السيارات، والأسمدة الكيمياوية، والدهانات، والمواد اللاصقة، والمنظفات، وغيرها من المنتجات التي تمثل أساساً للعديد من الصناعات الحديثة.
إن تطوير قطاع البتروكيماويات لا يقتصر على كونه مشروعاً صناعياً فحسب، بل يمكن أن يكون محركاً رئيساً للنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة في العراق، وذلك من خلال مجموعة من الآثار الإيجابية المهمة.
أولاً: تقليل الاستيراد وتحقيق الاكتفاء الذاتي
تشير الإحصائيات الدولية إلى أن العراق أنفق خلال عام 2024 أكثر من 2.5 مليار دولار على استيراد المنتجات البتروكيماوية فقط. ويعكس هذا الرقم حجم الفرصة المتاحة أمام الصناعة الوطنية لإحلال المنتج المحلي محل المستورد. فإنتاج هذه السلع داخل العراق سيؤدي إلى توفير مليارات الدولارات من العملة الأجنبية، ويمكن توجيه هذه الموارد نحو تطوير البنية التحتية، وتحديث الصناعات النفطية، وتوسعة شبكات النقل والطرق والسكك الحديدية والموانئ.
ثانياً: زيادة الصادرات وتعزيز الاقتصاد الوطني
يسهم تطوير الصناعات البتروكيماوية في تقليل الاعتماد على صادرات النفط الخام من خلال إنتاج وتصدير منتجات ذات قيمة مضافة أعلى. كما أن التنوع الكبير في المنتجات البتروكيماوية يفتح أمام العراق أسواقاً دولية جديدة ويمنحه فرصاً أوسع للمنافسة التجارية، الأمر الذي ينعكس بزيادة الإيرادات من العملات الأجنبية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
ثالثاً: توفير فرص العمل واستثمار الطاقات الشبابية
يمتلك العراق ثروة بشرية مهمة تتمثل في ارتفاع نسبة الشباب ضمن تركيبته السكانية. وتمثل هذه الفئة فرصة كبيرة لدفع عجلة التنمية إذا ما توفرت لها فرص العمل المناسبة، لكنها قد تتحول إلى تحدٍ اقتصادي واجتماعي في حال استمرار معدلات البطالة المرتفعة.
وخلال العامين الماضيين شهدت مدن عراقية عدة، منها بغداد والبصرة والناصرية، تجمعات واحتجاجات للمطالبة بفرص العمل، وكان حضور الشباب المتعلم والعاطل عن العمل واضحاً في هذه الفعاليات. ومن هنا تأتي أهمية مشاريع البتروكيماويات بوصفها أحد الحلول العملية لمعالجة البطالة، إذ تشير المعايير العالمية إلى أن المجمع البتروكيماوي المتوسط الحجم قادر على توفير ما بين ألفي وخمسة آلاف فرصة عمل مباشرة، إضافة إلى ما بين خمسة عشر ألفاً وخمسة وعشرين ألف فرصة عمل غير مباشرة في القطاعات المساندة والخدمية.
الاستفادة من التجارب الإقليمية الناجحة
يتطلب بناء صناعة بتروكيماوية متطورة الاستفادة من خبرات وتجارب الدول المجاورة التي حققت نجاحات ملموسة في هذا المجال. وتعد التجربة الإيرانية من أبرز النماذج الإقليمية، إذ تمكنت إيران خلال السنوات الأخيرة من تطوير قطاعها البتروكيماوي بالاعتماد على الخبرات المحلية والتكنولوجيا الوطنية، وحققت خلال عام 2024 نحو 15 مليار دولار من عائدات تصدير المنتجات البتروكيماوية.
وتعد صناعة البتروكيماويات ثاني أكبر قطاع تصديري في إيران بعد النفط، فيما تمثل دول العراق وتركيا وباكستان وتركمانستان من أبرز الأسواق المستوردة للمنتجات البتروكيماوية الإيرانية.
كما أعلنت إيران في مناسبات عديدة استعدادها للتعاون الفني مع العراق في مجالات النفط والغاز والبتروكيماويات. وفي ديسمبر/كانون الأول 2023 أكد وزير النفط الإيراني السابق جواد أوجي جاهزية الشركات والمقاولين والمهندسين الإيرانيين للمساهمة في بناء وتطوير مشاريع التكرير والبتروكيماويات في العراق، مشيراً إلى أن إيران حققت مستوى متقدماً من الاكتفاء الذاتي في هذا القطاع بفضل خبراتها المحلية وإمكانات شركاتها الوطنية.
وقد أثبتت المشاريع البتروكيماوية الإيرانية التي أُنشئت خلال السنوات الماضية، ومنها مصانع مياندوآب وكاوه ورسولي، قدرة الصناعة الإيرانية على مواصلة التطور وتحقيق الاكتفاء الذاتي حتى في ظل العقوبات الاقتصادية، الأمر الذي يجعل من التعاون الفني ونقل الخبرات والتكنولوجيا فرصة مهمة يمكن أن تسهم في تسريع تطوير قطاع البتروكيماويات العراقي.
خاتمة
إن التحديات التي تواجه صادرات النفط العراقية اليوم تؤكد الحاجة الملحة إلى تبني رؤية اقتصادية جديدة تقوم على تعظيم القيمة المضافة للموارد الطبيعية بدلاً من الاكتفاء بتصديرها كمواد خام. ويعد تطوير صناعة البتروكيماويات أحد أهم المسارات الاستراتيجية لتحقيق هذا الهدف، لما يوفره من فرص للاكتفاء الذاتي، وتقليل الاستيراد، وزيادة الصادرات، وخلق فرص العمل، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
وفي ضوء استعداد الدول الصديقة، وفي مقدمتها إيران، للتعاون في هذا المجال، فإن من الضروري أن تضع الحكومة العراقية ملف تطوير الصناعات البتروكيماوية ضمن أولوياتها الاقتصادية وأن تطرحه بجدية في الاجتماعات واللجان المشتركة، بما يسهم في بناء اقتصاد وطني أكثر تنوعاً وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.
A.H