المنطقة في مرحلة ما قبل المواجهة قراءة استراتيجية
المنطقة في مرحلة ما قبل المواجهة قراءة استراتيجية
المنطقة في مرحلة ما قبل المواجهة قراءة استراتيجية
لم تعد منطقة الشرق الأوسط تقف عند تخوم التوتر
بل باتت تتحرك في مركزه فالمشهد الإقليمي الراهن لا يمكن قراءته بوصفه أزمة مؤقتة أو جولة ضغط سياسي اعتيادية بل كمسار تصاعدي متواصل يوحي بأن المنطقة تتجه ، بخطوات محسوبة وهادئة نحو مواجهة كبرى يجري الإعداد لها بعيدًا عن الأضواء ، فالصمت السائد لا يعكس تراجعًا أو تهدئة بقدر ما يمثل مرحلة ما قبل القرار حين تُدار الحسابات خلف الأبواب المغلقة ويبدأ العدّ التنازلي خارج المشهد الإعلامي .
التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة من إعادة انتشار القطع البحرية إلى تكثيف وجود الطيران الاستراتيجي القادم من أوروبا وبريطانيا نحو الشرق الأوسط تشير بوضوح إلى أن واشنطن تجاوزت مرحلة إدارة التهديد وانتقلت إلى الاستعداد لسيناريو التصادم ، وفي تل أبيب لم يعد النقاش داخل الدوائر الأمنية يدور حول مبدأ توجيه الضربة بل حول توقيتها وحدودها وشكلها بعد أن توفّر الغطاء السياسي لانتقال المؤسسة العسكرية من مرحلة التقدير إلى مرحلة التنفيذ المحتمل ، في المقابل تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية في قلب عاصفة داخلية تتقاطع فيها الضغوط الاقتصادية مع الاحتجاجات الاجتماعية والتحديات السياسية وتراهن الولايات المتحدة وإسرائيل على هذا الواقع بوصفه عامل إنهاك قد يحدّ من قدرة الجمهورية على إدارة أي مواجهة واسعة غير أن هذا الرهان يغفل حقيقة تاريخية مفادها أن الأنظمة الواقعة تحت الحصار غالبًا ما تنتقل من منطق الدفاع إلى منطق الهجوم لا العكس ، و من منظور إيراني لا يُنظر إلى الضربة المحتملة باعتبارها حدثًا يمكن احتواؤه أو امتصاصه بل كتهديد وجودي يستدعي توظيف كامل أدوات القوة المتاحة وفي مقدمتها القدرات الصاروخية والضغط الجغرافي . ويبرز هنا مضيق هرمز كأحد أهم أوراق الردع إلى جانب امتلاك طهران منظومات صاروخية قادرة على إحداث تغيير جذري في قواعد الاشتباك ألحديث لا يدور عن ردّ رمزي أو محدود بل عن قدرة فعلية على استهداف القواعد الأمريكية في الخليج بدقة وكثافة نارية قد تؤثر في حضورها العسكري خلال الساعات الأولى لأي مواجهة ، والأخطر من ذلك أن العمق الإسرائيلي الذي ظل لسنوات محكومًا بمعادلات ردع متبادلة ومنظومات دفاعية متقدمة قد يتحول هذه المرة إلى ساحة مفتوحة لضربات غير مسبوقة من حيث الحجم والنوع فإيران لم تعد تخفي امتلاكها صواريخ بعيدة المدى عالية الدقة ما يجعل أي ضربة ضدها مغامرة استراتيجية قد تفرض على تل أبيب كلفة تفوق قدرتها على التحمل وتهدد استقرارها على المدى البعيد ، السيناريو الأكثر تداولًا يفترض أن أي هجوم محتمل سيبدأ بعملية مركبة تشمل هجومًا سيبرانيًا واسعًا لتعطيل أنظمة القيادة والسيطرة يتزامن مع ضربات جوية دقيقة تستهدف المنشآت النووية والبنية الصاروخية ومراكز القرار غير أن هذا السيناريو يقوم على افتراض إمكانية ضبط التصعيد وهو افتراض تصطدم به تجارب المنطقة حيث غالبًا ما تقود الضربة الأولى إلى سلسلة ردود متدحرجة تتجاوز السيطرة السريعة وتفتح جبهات متعددة من الخليج إلى شرق المتوسط و في هذه اللحظة لا يبدو أن الأطراف المعنية تسعى فعليًا إلى منع الحرب بقدر ما تحاول تحسين مواقعها داخلها قبل اندلاعها نحن أمام منطق إدارة الكارثة لا تفاديها حيث تُستبدل معادلات الردع التقليدية بحسابات مجازفة عالية المخاطر. ومع أول صاروخ، قد تسقط الخطوط الحمراء دفعة واحدة ويدخل الإقليم مرحلة فوضى استراتيجية تعيد رسم خرائط النفوذ والدمار معًاً
إنها ليست حربًا تبحث عن نهاية واضحة بل مواجهة مفتوحة على المجهول قد تغيّر شكل الشرق الأوسط لسنوات طويلة وتكشف أن ما كان يُنظر إليه كتوازن هش لم يكن سوى هدنة مؤجلة… وقد انتهى وقتها .
A.H