الحرب الناعمة والإعلام الموجّه ، هل أخفقت القوى الشيعية في التوغّل الإعلامي العابر للحدود ونجحت قوى أخرى ؟
ورقة سياسات
الحرب الناعمة والإعلام الموجّه ، هل أخفقت القوى الشيعية في التوغّل الإعلامي العابر للحدود ونجحت قوى أخرى ؟
حسن البدري
رئيس مركز البوصلة للحوار والدراسات
المقدمة
لم تعد القوة السياسية في العراق تُقاس بامتلاك السلطة أو السيطرة على البرلمان والمؤسسات فحسب بل بقدرة الفاعلين السياسيين على إدارة معركة الرواية وصناعة الصورة الذهنية والتأثير في الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي .
في هذا السياق تواجه القوى الشيعية وعلى رأسها الإطار التنسيقي مفارقة استراتيجية واضحة ، فهي تمتلك ثقلاً سياسياً داخلياً كبيراً ، لكنها تعاني ضعفاً ملموساً في الإعلام الموجّه والحرب الناعمة خارج بيئتها الاجتماعية مقابل نجاح قوى سياسية أخرى في فتح قنوات تواصل مع الفضاء الإعلامي الدولي والإقليمي رغم محدودية نفوذها الداخلي .
وتنطلق هذه الورقة من سؤال مركزي :
هل أخفقت القوى الشيعية في بناء خطاب عابر للبيئات ، بينما نجحت القوى الأخرى في فرض سرديتها؟
الاسباب
أ. غياب رؤية فكرية موحدة للحرب الناعمة : حيث تعاني القوى الشيعية من غياب استراتيجية متكاملة للحرب الناعمة بحيث يُدار الإعلام بوصفه أداة دفاع وتعبئة داخلية لا وسيلة اختراق وتأثير خارجي ومايترتب على ذلك عدة أمور منها خطاب ردّ فعل بدل خطاب استباقي وإعلام موسمي بدل إعلام استراتيجي وحضور سياسي بلا حضور فكري حقيقي .
ب. الانغلاق داخل البيئة الاجتماعية و يتركّز الخطاب الشيعي على الجمهور الداخلي ويغلب عليه الطابع الكلاسيكي والانفعالي مع ضعف واضح في مخاطبة البيئات الأخرى ففي الساحة السنية يغيب الخطاب التطميني الغير ثأري وفي الساحة الكردية يكون ضعف خطاب الشراكة السياسية وفي الساحة الإقليمية والدولية يغيب ايضاً خطاب المصالح ويحضر خطاب الشعارات ،
ونتيجة ذلك ترسخت صورة نمطية عن الخطاب الشيعي بوصفه خطاباً محلياً بغض النظر عن دقة هذه الصورة .
ت. فوضى السردية الإعلامية وهنا نستطيع ان نقول القوى الشيعية لا تمتلك سردية إعلامية موحدة بل تتحرك المنصات والكتّاب بصورة فردية وأحياناً متناقضة ما يؤدي إلى إنتاج خطاب متضارب وتشويش الصورة السياسية مع منح الخصوم أدوات دعائية مجانية ، ويأتي ذلك بناءً على تعدد التوجهات داخل القوى الشيعية السياسية الحاكمة واختلاف الأهداف والمصالح في كثير من الأحيان ما يجعل الحرب الإعلامية موجهة داخلياً اكثر من كونها موجهة إلى الخارج وهو الأمر الذي يضعف العلاقات الدولية للقوى الشيعية مستقبلاً .
ث. ضعف العلاقات الإعلامية الدولية : ولا نستطيع ان نقول هنا ايضاً ان القوى الشيعية نجحت في بناء شبكة علاقات مؤثرة مع مراكز التفكير الدولية او الصحافة الغربية والعربية او صناع القرار والرأي العام الدولي و في المقابل نجحت القوى السياسية الأخرى في ترسيخ حضورها داخل هذه الشبكات ما مكّنها من التأثير في التصورات الدولية عن العراق .
ج. عدم استثمار عناصر القوة : حيث تمتلك القوى الشيعية عناصر قوة استراتيجية أبرزها الثقل السياسي والمؤسسي و تجربة الحكم الطويلة الأمد اي منذ عام ٢٠٠٣ والى الان وكذلك قاعدة اجتماعية واسعة وموارد بشرية وإعلامية ولكن هذه العناصر بقيت محصورة في خطاب داخلي مغلق ولم تتحول إلى أدوات تأثير ناعم عابر للحدود .
الحلول المقترحة
1. الانتقال من إعلام تعبوي داخلي إلى إعلام استراتيجي عابر للبيئات يقوم على صناعة رأي بدل وسائل الدفاع
وتوجيه الخطاب نحو الخارج بقدر الداخل مايمهد لبناء صورة ذهنية طويلة الأمد .
2. بناء رؤية سياسية موحدة مرنة تعتمد على خطاب الدولة بدل الخطاب المكوناتي والمحلي وكذلك ان يكون خطاباً مبنياً على المصالح الوطنية بدل الشعارات ، واعتماد الواقعية السياسية بدل الانفعال السياسي وردات الفعل الآنية .
3. انتاج خطاب عقلاني يراعي الطبقية في الجانب المقابل فعلى مستوى الداخل الشيعي تعبوي وتنظيمي وعلى مستوى الداخل الوطني تصدير خطاب الشراكة والتطمين واعتماد خطاب المصالح المشتركة والاستقرار الداخلي في الفضاء الإقليمي والدولي .
4. إنشاء وحدة تفكير إعلامي استراتيجي داخل الإطار التنسيقي او القوى الشيعية الحاكمة تعمل بمنطق مراكز التفكير وتقوم بتحليل البيئة الإعلامية الدولية صياغة الرسائل الاستراتيجية ،و توجيه الخطاب الإعلامي بطريقة غير مباشرة .
5. استثمار الطاقات الشبابية والفكرية والإعلامية وبناء شبكة من الباحثين والمحللين السياسيين والصحفيين المؤثرين و الكتّاب القادرين على مخاطبة الإعلام العربي والغربي .
التوصيات الاستراتيجية
1. إنشاء وحدة تفكير إعلامي استراتيجي وهي عبارة عن مراكز تفكير عراقية موزعة على الداخل العراقي ونخب وكفاءات إعلامية وفكرية قادرة على صياغة رؤية موحدة تدعم القوى السياسية الحاكمة فكريا ً وسياسياً وغير ذلك .
2. اعتماد استراتيجية وطنية للحرب الناعمة داخل القوى الشيعية .
3. الفصل بين الإعلام الداخلي التعبوي والإعلام الخارجي الناعم .
4. الانتقال من خطاب الهوية إلى خطاب الدولة والمصلحة والاستقرار .
5. بناء شراكات مؤسسية مع مراكز بحث وصحافة دولية .
6. توحيد السردية الإعلامية ضمن إطار مرن مركزي .
7. تحويل عناصر القوة السياسية إلى أدوات تأثير رمزي وإعلامي .
8. اعتماد الواقعية السياسية في الخطاب الخارجي بدل خطاب الشعارات .
9. إنشاء نظام تقييم دوري لفاعلية الخطاب الإعلامي .
الخلاصة
إن الأزمة التي تواجه القوى الشيعية في العراق ليست أزمة سلطة بل أزمة خطاب وتأثير فالقوى التي تمتلك السلطة ولا تمتلك السردية الفكرية الموحدة والناجحة ستفقد قدرتها على حماية شرعيتها في اي لحظة
وفي زمن الحرب الناعمة لا تحسم السياسة في البرلمان وحده بل في الإعلام ومراكز التفكير والرأي العام العابر للحدود وعليه فإن استعادة التوازن بين القوة السياسية والقوة الفكرية لم يعد خياراً تكتيكياً بل ضرورة استراتيجية لبقاء النفوذ السياسي للقوى الشيعية في العراق .
A.H