كيف تبني الدول العربية استراتيجياتها الخاصة بدل أن تبقى تفسر الأحداث فقط؟                                العراق نموذجاً

قسم الدراسات

كيف تبني الدول العربية استراتيجياتها الخاصة بدل أن تبقى تفسر الأحداث فقط؟

                               العراق نموذجاً

 

د. اكرم حياوي

 

 من يتابع مشهد الشرق الأوسط اليوم وما تجري من احداث متسارعة، يدرك أن ما يجري ليس تصعيداً عابراًبين الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، نحن أمام مرحلة إعادة تشكيل للتوازنات، تتداخل فيها القوة العسكرية مع الاقتصاد، وتتحول فيها الجغرافيا إلى ورقة ضغط، وتصبح الدول ذات الموقع الحساس – وفي مقدمتها العراق – أمام امتحان تاريخي، حيث وصلنا الى الجزء الأخير من هندسة الشرق الأوسط الجديد من خلال اغتيال كل شخص يقول( لا ) للمشروع الصهيوني بمنطقة الشرق الأوسط .

العراق ليس دولة عابره عن هذه المعادلة، بل تعد نقطة التقاء بين الخليج وبلاد الشام وتركيا وإيران، وهو ممر محتمل لمشاريع ربط إقليمية، وهو خزان طاقة عالمي، وهو ساحة توازن دقيقة بين قوى متنافسة، لذلك فإن أي خلل في توازنه الداخلي يتحول فوراً إلى ثغرة في الإقليم كله.

ان المشكلة ليست في أن العراق يتأثر بالصراع فقط، فكل دول المنطقة تتأثر، المشكلة تكمن في سؤال أعمق: هل يمتلك العراق استراتيجية واضحة تحمي مصالحه في الوقت الحالي، أم أنه ما يزال يتفاعل مع الأحداث بردود فعل متفرقة وتفسير الاحداث بعد وقوعها؟

ولكل ما تقدم أعلاه ما الذي يجب أن يفعله العراق الآن؟

لا يمكن لأي دولة أن تستعيد هيبتها بوجود تعدد في مراكز القرار الأمني، الهيبة تبدأ من وضوح السلطة الدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلم بشكل كامل تبقى عرضة للرسائل المتبادلة على أرضها ، مع الإشارة ان الهيبة لا تستعاد بخطاب مرتفع النبرة، بل بثلاث ركائز مهمة هي (وضوح القرار- قوة المؤسسات – استقرار الرسائل السياسية ) وهذا ما يتطلب من العراق في الوقت الحالي تصديره، بالإضافة الى ان المرحلة الحالية أثبتت أن البنى التحتية هي الهدف الأول في الحروب الحديثة، مما يتطلب حماية الموانئ، والحقول النفطية، وشبكات الكهرباء، والمنافذ الحدودية، التي اصبحت أولوية سيادية.

مع العلم ان العالم يتجه نحو مشاريع ربط كبرى، من مبادرة (الحزام والطريق الصيني الذي يربط الصين –اسيا الوسطى – الشرق الأوسط – افريقيا - اوربا) إلى مشروع ممر الهند –  الذي يربط  الهند -الشرق الأوسط –اوربا .

لذلك يجب على العراق أن يتحول من ساحة عبور إلى شريك تفاوضي يحدد شروطه، ويستثمر موقعه لتعزيز اقتصاده، لا أن يكون مجرد ممر للآخرين لان هذه المشاريع خطيرة ومهمة للعراق اذا لم يدخل بوعي قد يتم تجاوزه او يستخدم كممر دون مكاسب حقيقية ، اما اذا احسن التفاوض يمكن ان يصبح مركز ترانزيت إقليمي ويعزز مكانته الاقتصادية والسياسية 

ختاماً ان الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة ترتيب عميقة، القوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها، ولن تنتظر أحداًالعراق اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يبقى في موقع المتلقي الذي يفسر ما يحدث حوله، أو أن يتحول إلى دولة مبادرة تبني استراتيجيتها الخاصة كونه ،يمتلك الموقع والموارد والعمق الحضاري، ما يحتاجه الآن هو وضوح رؤية، وشجاعة قرار، وإرادة دولة تعرف أن الاستقرار ليس ترفاً، بل شرط بقاء.