القوة القاهرة في العقود النفطية الية قانونية لحماية الاستثمارات في ظل النزاعات المسلحة
قسم الدراسات والأبحاث
القوة القاهرة في العقود النفطية الية قانونية لحماية الاستثمارات في ظل النزاعات المسلحة
د. اكرم حياوي
أستاذ القانون التجاري
تشهد منطقة الشرق الأوسط في الوقت الحالي تصاعداً ملحوظاً في التوترات الجيوسياسية والنزاعات المسلحة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتنفيذ بنودالعقود النفطية والتجارية طويلة الأمد، ولأن صناعة النفط تعتمد على منظومة معقدة من الإنتاج والنقل والتصدير عبر ممرات بحرية استراتيجية، فإن أي اضطراب عسكري أو أمني قد يؤدي إلى تعطيل الالتزامات التعاقدية بين الدول والشركات وفي مثل هذه الظروف تلجأ الدول والشركات النفطية إلى تفعيل شرط القوة القاهرة بوصفه الية قانونية لإدارة الأزمات وحماية التوازن العقدي.وفي السياق العراقي يرتبط هذا ارتباطاً وثيقاَ بالتصدير النفطي حيث يعيق أي اغلاق للممرات من تدفق الإنتاج النفطي.
غير أن استخدام القوة القاهرة في العقود النفطية لا يعد مسألة شكلية أو إجراء تلقائياً، بل يخضع لضوابط قانونية دقيقة في ضوء القانون المدني والتجاري العراقي والقواعد الدولية للعقود التجارية، فضلاً عن الممارسات المستقرة في التحكيم التجاري الدولي، لذلك سوف نتطرق الى مفهوم القوة القاهرة وتمييزها عن الظروف الطارئة وغيرها من التفاصيل التي سوف نبينها حسب التفصيل الاتي:
أولاً: مفهوم القوة القاهرة في القانون العراقي والقانون التجاري الدولي:
تعرف القوة القاهرة بأنها حادث استثنائي خارجي لا يمكن توقعه ولا يمكن دفعه ويجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً وقد نظم المشرع العراقي هذا المفهوم في القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951، حيث نصت المادة (211) على أنه:
إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه كالقوة القاهرة أو الحادث الفجائي، فإنه لا يكون ملزماً بالضمان.
كما نصت المادة (425) من القانون ذاته على أنه:
إذا أصبح تنفيذ الالتزام مستحيلاً بسبب أجنبي لا يد للمدين فيه.
بالإضافة الى المادة (168 )ويستفاد من نص المشرع العراقي اذ يقر بمبدأ انقضاء الالتزام عند استحالة التنفيذ بسبب القوة القاهرة، بشرط أن يكون الحدث خارج إرادة المدين وغير متوقع ولا يمكن دفعه.
أما على المستوى الدولي، فقد اوضح (UNIDROIT) هو اختصار لـ "المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص" العقود التجارية الدولية مفهوم القوة القاهرة، حيث أكدت أن الطرف لا يكون مسؤولاً عن عدم التنفيذ إذا كان ذلك نتيجة عائق خارج عن إرادته ولم يكن من المعقول توقعه أو تجنبه.
ثانياً: التمييز بين القوة القاهرة والظروف الطارئة في العقود النفطية
من الضروري التمييز بين مفهومين قانونيين غالباً ما يختلطان في الممارسة العملية:
1- القوة القاهرة :
وهي الحالة التي يصبح فيها تنفيذ الالتزام مستحيلاً كلياً بسبب حدث خارج عن إرادة الأطراف، مثل تدمير المنشآت النفطية أو إغلاق الموانئ.
2- الظروف الطارئة:
وهي الحالة التي يصبح فيها تنفيذ الالتزام مرهقاً اقتصادياً بشكل غير متوقع دون أن يصل إلى حد الاستحالة.
ويكتسب هذا التمييز أهمية كبيرة في العقود النفطية لأن التقلبات في الأسعار أو تكاليف النقل قد تشكل ظروفاً طارئة لكنها لا ترقى دائماً إلى مستوى القوة القاهرة.
ثالثاً: الحرب كسبب من أسباب القوة القاهرة:
تعد الحروب والنزاعات المسلحة من أبرز صور القوة القاهرة في العقود الدولية، إلا أن الفقه القانوني والتحكيم التجاري الدولي يؤكدان أن مجرد وقوع الحرب لا يعني تلقائياً تعليق العقود، بل يجب إثبات أن الحرب أدت فعلاً إلى أمور حساسة أهمها:
1- استحالة تنفيذ الالتزام.
2- وجود علاقة سببية مباشرة بين الحرب وتعطل التنفيذ.
3- عدم إمكانية تجنب آثار الحدث أو التغلب عليها بوسائل معقولة.
بالإضافة الى ذلك هنالك متطلبات قبل اعلان القوة القاهرة أهمها اخطار العملاء فور وقوع الحدث الذي يمنع تنفيذ العقد، مع تقديم الأدلة التي تثبت ان السبب خارج عن السيطرة المباشرة للشركة.
رابعاً: تطبيقات واقعية في قطاع النفط والطاقة:
لجوء الدول النفطية استخدام القوة القاهرة في الوقت الحالي بسبب التصعيد العسكري في الخليج وتهديد المنشأت وتعطيل الملاحة في ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز النفطية، لذلك يصبح استخدام القوة القاهرة ضرورة قانونية وهذا لا يعني انهاء العقد بل تعليق تنفيذه مؤقتاً لذلك تقدم التجارب الدولية عدداً من الأمثلة الواقعية على استخدام القوة القاهرة في صناعة الطاقة.
ففي عام 2019 تعرضت منشآت شركة Saudi Aramco لهجمات عسكرية أدت إلى توقف جزء كبير من إنتاج النفط السعودي مؤقتاً، الأمر الذي دفع الشركة إلى تفعيل بعض بنود القوة القاهرة في عقود التوريد الدولية بسبب انخفاض الإنتاج وعدم القدرة على الوفاء بالكميات المتفق عليها.
كما شهدت الحرب بين روسيا وأوكرانيا نزاعات قانونية واسعة في قطاع الغاز، حيث أعلنت شركة Gazprom في بعض الحالات وجود ظروف قاهرة نتيجة الحرب والعقوبات الاقتصادية، كذلك شركة لوك اويل الروسية العاملة في حقل غرب القرنة في العراق القوة القاهرة بسبب عقوبات أمريكية عام 2025 ، اما في عام 2026 فقد أعلنت الشركات العربية القوة القاهرة نتيجة الحرب الامريكية الصهيونية على ايران مما سبب في غلق مضيق هرمز وعدم استقرار الشرق الأوسط وكانت اهم الشركات هي شركة قطر للطاقة و شركة البا البحرينية للألمنيوم وشركة بابكو انرجيز البحرينية وشركة الكويت النفطية.
خامساً: القوة القاهرة في العقود النفطية العراقية
بالنسبة للعراق، فإن العقود النفطية المبرمة مع الشركات الأجنبية، ولا سيما عقود الخدمة النفطية، تتضمن بنوداً تفصيلية بشأن القوة القاهرة، ويعود ذلك إلى الطبيعة طويلة الأمد لهذه العقود وإلى ارتباطها بعوامل سياسية وأمنية قد تؤثر في عمليات الإنتاج والتصدير.
ومن الناحية القانونية، يخضع تطبيق القوة القاهرة في العراق لثلاثة مصادر رئيسية:
1- أحكام القانون المدني العراقي.
2- النصوص الواردة في العقد النفطي ذاته.
3- قواعد التحكيم التجاري الدولي التي يتفق عليها الأطراف.
وغالباً ما تتضمن العقود النفطية إجراءات محددة لإعلان القوة القاهرة، من بينها إخطار الطرف الآخر خلال مدة معينة وتقديم الأدلة التي تثبت تعذر التنفيذ.
ولكل ما تقدم تؤكد التجارب المعاصرة أن القوة القاهرة أصبحت أداة قانونية أساسية لإدارة الأزمات في العقود النفطية والتجارية، خصوصاً في المناطق التي تشهد توترات جيوسياسية مثل الشرق الأوسط، ومع ذلك فإن استخدام هذا المفهوم يجب أن يتم في إطار ضوابط قانونية دقيقة، لأن الإفراط في اللجوء إليه قد يؤدي إلى زعزعة الثقة في العلاقات التجارية الدولية، لذلك أوصي المشرع العراقي بتعزيز مواد القوة القاهرة في القانون المدني والتجاري بتعريف دقيق يشمل الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية المتكررة في العراق، مع اشتراط إثبات عدم القدرة على التنبؤ أو الوقاية، كما يجب إلزام العقود التجارية ببند يحدد تعويضات عادلة للأطراف العراقية في حال وقوع قوة قاهرة، مع منع الإعفاء الكلي للشركات الأجنبية من المسؤولية، بالإضافة الى فرض شرط في العقود يلزم الشركات الأجنبية بتقديم خطط طوارئ محلية للتعامل مع عدم الاستقرار، مع غرامات على الاستغلال أو الانسحاب غير المبرر، وتفعيل آلية قضائية سريعة لفض النزاعات المتعلقة بالقوة القاهرة، تراعي المصلحة الوطنية العراقية كأولوية عليا.
وفي هذا السياق اصبحت الحاجة ملحة إلى تعزيز الصياغة القانونية لبنود القوة القاهرة في العقود النفطية العراقية بما ينسجم مع المعايير الدولية ويواكب التحولات المتسارعة في النظام الاقتصادي العالمي.
#مركز_البوصلة_للحوار_والدراسات
#الحوار_قوة
A.H