موقف الشرق الأوسط من الصراع الأميركي -الإيراني

الصراع الأمريكي -الإيراني

موقف الشرق الأوسط من الصراع الأميركي -الإيراني

موقف الشرق الأوسط من الصراع الأميركي -الإيراني

م.م أحمد عقيل 

عضو مركز البوصلة للحوار والدراسات 

  يشكل الصراع بين الولايات المتحدة وإيران أحد أبرز محاور التوتر في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة إذ لم يكن هذا الصراع ثنائياً محصوراً بين دولتين بل امتد تأثيره ليطال موازين القوى والتحالفات والسياسات الداخلية في عدد كبير من دول المنطقة وبين الضغوط الأمنية والحسابات الاقتصادية حيث وجدت دول الشرق الأوسط نفسها أمام معادلة دقيقة تحاول من خلالها تجنب كلفة الانخراط المباشر مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية. واخذت تعتمد مواقف دول المنطقة على اعتبارات متعددة ترتبط بالجغرافيا والاقتصاد وطبيعة العلاقات التاريخية مع كل طرف فبعض الدول ترى في الشراكة مع واشنطن مظلة أمنية ضرورية لضمان الاستقرار وردع التهديدات بينما تنظر أخرى إلى طهران باعتبارها فاعلاً إقليمياً لا يمكن تجاهله بحكم الجوار والتداخل السياسي والاقتصادي وفي ظل هذا الواقع تتبنى عدة عواصم سياسية تقوم على تقليل حدة الاستقطاب عبر الحفاظ على قنوات تواصل مع الطرفين والسعي إلى تجنب التحول إلى ساحة مواجهة.

 من الناحية الاقتصادية يتأثر الشرق الأوسط مباشرة بأي تصعيد بين واشنطن وطهران لأن أسواق الطاقة والممرات البحرية تمثل شرايين حيوية للاقتصاد العالمي وأي اضطراب فيها ينعكس على أسعار النفط والاستثمار والاستقرار المالي لذلك تميل كثير من الدول إلى الدعوة لضبط النفس وتفضيل الحلول الدبلوماسية على المواجهة العسكرية المفتوحة كما أن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن التصعيد غالبا ما يؤدي إلى توترات أمنية تؤثر في الداخل الإقليمي قبل أن تحقق مكاسب استراتيجية لأي طرف مثلما حصل في حرب ال 12 يوم التي أدت الى توتر في المنطقة.

في المقابل لا يخلو المشهد من تنافس إقليمي يستثمر في هذا الصراع لتعزيز النفوذ أو إعادة ترتيب التحالفات إذ تحاول بعض القوى الإقليمية توسيع هامش حركتها مستفيدة من التباينات بين واشنطن وطهران غير أن هذا التوازن يبقى هشاً لأن أي مواجهة مباشرة قد تفرض على الدول اتخاذ مواقف أكثر وضوحاً وهو ما تحاول معظم العواصم تجنبه .إن موقف الشرق الأوسط من الصراع الأميركي الإيراني يتسم في مجمله بالبراغماتية والحذر فالدول تسعى إلى حماية أمنها القومي والحفاظ على استقرارها الداخلي وتجنب الانخراط في صراع طويل الأمد قد يستنزف مواردها ويعمق الانقسامات ومع التحولات الدولية نحو تعددية قطبية أكثر مرونة يزداد اهتمام دول المنطقة بتنويع شراكاتها وتوسيع خياراتها الاستراتيجية بما يقلل من الاعتماد المطلق على طرف واحد

كما يسعى عدد من دول الشرق الأوسط إلى تعزيز آليات التعاون الإقليمي عبر مؤسسات اقتصادية وأمنية مشتركة والعمل على بناء شبكة دبلوماسية قادرة على إدارة الأزمات، والحد من التصعيد، وتطوير أدوات التفاوض والحوار مع جميع الأطراف كما أصبح الاعتماد على الوساطة الإقليمية والدولية أداة مهمة لتقليل حدة الصراع وتفادي الانزلاق نحو مواجهات عسكرية مباشرة، مثلما لعبت مسقط الدور العقلاني متزن بسياسية خارجية ودبلوماسية من خلال توسيط عصا التوتر بين واشنطن وطهران من اجل تهدئـةالصراع بين الدولتين.

أن الاستثمار في التنمية الداخلية وتحسين الخدمات العامة وتعزيز التماسك الاجتماعي يمثل ركيزة أساسية تمكن الدول من مواجهة الضغوط الخارجية بشكل أكثر قوة وفعالية. ومع استمرار التحولات الدولية والاقتصادية والتكنولوجية يزداد أهمية أن تتبنى الدول سياسات مرنة تستفيد من تعددية المحاور وتوازن بين مصالحها الوطنية ومتطلبات الأمن الإقليمي ليظل الشرق الأوسط مساحة للتعايش والتعاون لا ساحة للصراع والصراع المستمر بين القوتين الكبيرتين يفرض على الدول التفكير بعقلانية واستراتيجية بعيدة المدى لضمان استقرارها وتحقيق التنمية المستدامة لأجيال المستقبل.

 وقد ذكر المفكر والباحث الإيراني فاريد زكريا الذي يتناول مستقبل الشرق الأوسط من منظور التحولات الإقليمية والدولية في عدة مقالات وكتب له ويركز على تأثير القوى الكبرى على استقرار المنطقة والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها ويشير إلى أن إدارة الصراعات الداخلية والخارجية بمرونة براغماتية ستحدد مسار مستقروالتنمية في الشرق الأوسط خلال العقود المقبلة.

 في المحصلة الأخيرة لا يبدو أن الشرق الأوسط يرغب في أن يكون مسرحاً لصراع مفتوح بين قوتين كبيرتين بل يميل إلى لعب دور الوسيط أو الموازن حين تتاح الفرصة لأن الاستقرار الإقليمي والتنمية الاقتصادية يمثلان أولوية ملحة تفوق منطق الاصطفاف الحاد وبين ضغوط الواقع وتحديات المستقبل يبقى الخيار الأكثر عقلانية هو دعم مسارات التهدئة والحوار بما يحفظ مصالح المنطقة ويجنبها تداعيات المواجهة المباشرة.