الجامعات الأهلية في العراق… تجارة الشهادات وبطالة مؤجلة .
الجامعات الأهلية
الجامعات الأهلية في العراق… تجارة الشهادات وبطالة مؤجلة .
حسن البدري
رئيس مركز البوصلة للحوار والدراسات
لم تعد الجامعات الأهلية في العراق مشروعاً تعليمياً بقدر ما أصبحت ظاهرة اقتصادية - اجتماعية خطيرة تتخفّى خلف شعارات التعليم والاستثمار في الإنسان بينما تمارس في الواقع دوراً مختلفاً تماماً حيث تم تحويل الشهادة الجامعية إلى سلعة والطالب إلى زبون والمعرفة إلى واجهة شكلية بلا مضمون .
خلال سنوات قليلة شهد العراق انفجاراً غير مسبوق في عدد الجامعات والكليات الأهلية دون تخطيط وطني أو رؤية تعليمية واضحة .
وهنا نسأل هل هناك رؤية تعليمية واضحة ؟ !
إنّ هذا التوسع لم يكن استجابة لحاجة علمية أو تنموية بل نتيجة منطق السوق والربح حيث بات افتتاح جامعة أهلية أسهل من تأسيس مشروع إنتاجي حقيقي ، ومع غياب الرقابة الفاعلة تحولت كثير من هذه الجامعات الأهليه وليس الكل إلى جامعات لتدوير المال أكثر مما هي جامعات لإنتاج العلم .
المشكلة لا تتوقف عند الكم بل تمتد إلى نوعية الطلبة المقبولين فقد تم تخفيض معدلات القبول إلى مستويات ادنى مما هو في الجامعات الحكومية بشكل غير عادل ، واستقبال طلبة في تخصصات لا يمتلكون الحد الأدنى من الاستعداد العلمي لها فقط لضمان استمرار التدفق المالي ، وبدلاً من أن تكون الجامعة مساحة لفرز الكفاءات أصبحت ملاذاً لكل من لم يجد طريقاً في التعليم الحكومي وهو الأمر الذي سيؤدي إلى انهيار تدريجي في مستوى المخرجات العلمية .
في هذه البيئة تخرج آلاف الطلبة سنوياً بشهادات لا تعكس مهارات حقيقية ولا تؤهلهم للمنافسة في سوق العمل وهكذا تتكدس أعداد الخريجين في تخصصات مشبعة أصلاً بينما يعاني الاقتصاد من نقص في المهارات التقنية والمهنية والنتيجة أن الدولة تجد نفسها أمام كتلة بشرية واسعة من حملة الشهادات لكنها عاجزة عن استيعابهم أو توظيفهم ما يحوّل التعليم الأهلي من فرصة استثمار إلى عبء اجتماعي حقيقي ،
الأخطر من ذلك أن الجامعات الأهلية لم تكتفِ بإضعاف القيمة العلمية للشهادة بل ساهمت في تشويه مفهوم التعليم ذاته فالطالب لم يعد يبحث عن المعرفة بل عن أسرع طريق للحصول على شهادة والجامعة لم تعد تنافس بالجودة بل بالسهولة والمرونة في النجاح ومع مرور الوقت تتآكل الثقة المجتمعية بالشهادة الجامعية وتختلط صورة المتفوق بالعاجز والكفاءة بالتحصيل الشكلي .
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة ،،
هل تدرك الدولة حجم الخطر؟
فاستمرار هذا المسار يعني أن العراق لا ينتج فقط بطالة ، بل ينتج جيلاً يحمل شهادات بلا مهارات وطموحات بلا أدوات وغضباً بلا أفق وإذا لم تُعاد صياغة دور الجامعات الأهلية ضمن إطار صارم للجودة والرقابة وربط التعليم بسوق العمل فإن البلاد ستواجه مستقبلاً أزمة أخطر من البطالة نفسها انهيار القيمة الاجتماعية للعلم وتحول التعليم من رافعة للتقدم إلى عامل من عوامل التفكك ،
قد يسمع صانع القرار هذا الصوت وقد يتجاهله لكن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها هي أن الجامعات الأهلية بصيغتها الحالية، لا تبني دولة المعرفة بل تبني دولة الشهادات الفارغة والبطالة المؤجلة وعندما تكتشف الدولة حجم الخسارة قد يكون الوقت قد فات ،
خلاصة ذلك :
إن سياسات القبول المنخفضة والتوسع الكبير في أعداد الطلبة داخل الجامعات الأهلية مع غياب التوافق مع سوق العمل وضعف الرؤية المستقبلية تنذر بأزمة حقيقية ستواجهها الدولة لاحقاً فآلاف الخريجين سيصطدمون بقلة فرص العمل ما يزيد الضغط الاقتصادي والاجتماعي في بلد يعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية لذلك أصبح من الضروري أن يتدخل صانع القرار بقرارات حازمة عبر فرض معايير صارمة ورقابة مشددة على الجامعات الأهلية لضمان عدم تحول التعليم إلى عبء على الدولة بدل أن يكون رافعة للتنمية .
A.H