الزيدي أمام اختبار الدولة: أربعة ملفات ترسم مستقبل العراق

قسم التحرير

 الزيدي أمام اختبار الدولة: أربعة ملفات ترسم مستقبل العراق

حسن البدري 

رئيس مركز البوصلة للحوار والدراسات 

يقف العراق أمام مرحلة سياسية دقيقة تتداخل فيها التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية الأمر الذي يجعل مهمة الحكومةالمقبلة أكبر من مجرد إدارة الملفات اليومية أو معالجة الأزمات الآنية فالمطلوب اليوم هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة ومن ردود الفعل إلى صناعة القرار ومن الحلول المؤقتة إلى سياسات قادرة على حماية مستقبل العراق واستقراره.

وفي هذا السياق تبدو حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي أمام أربعة اختبارات رئيسية سيكون التعامل معها معياراً حقيقياً لمدى قدرتها على إحداث تحول في مسار الدولة العراقية.

الاول .. مكافحة الفساد.. فهو معركة الدولة قبل أن تكون معركة الحكومة و يبقى الفساد أحد أخطر التحديات التي تواجه الدولة العراقية ليس فقط بسبب الهدر المالي وإنما لما أفرزته سنوات طويلة من الفساد من شبكات مصالح متداخلة تمتلك نفوذاً سياسياً واقتصادياً وإدارياً ولذلك فإن مكافحة الفساد لا يمكن أن تكون حملة إعلامية أو إجراءات انتقائية بل ينبغي أن تتحول إلى مشروع مؤسساتي يستند إلى القانون ويستهدف شبكات الفساد ومصالحها دون استثناء وهنا تقع مسؤولية كبيرة على عاتق تحالف ادارة الدولة في دعم هذا الملف الهام الذي يرتبط نجاحه بتقدم مسار العملية السياسية في العراق فيما إذا أراد اركان هذه التحالف الوقوف على مكامن الخلل وحلها في الدولة العراقية.

إن نجاح الحكومة في هذا الملف سيبعث رسالة واضحة بأن الدولة قادرة على استعادة هيبتها وأن المال العام لم يعد مجالًا للمساومات السياسية.

الثاني: السيادة وقرار الدولة .. من يقرر الحرب والسلام؟

لا يمكن بناء دولة قوية من دون قرار سيادي واضح فالعراق بحكم موقعه الجغرافي وتشابك مصالحه الإقليمية والدولية سيبقى عرضة للتأثر بالصراعات المحيطة به لكن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرة الدولة العراقية على حماية أراضيها ومصالحها ومنع تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية وبإمكان العراق ان يتحول إلى سطحاً مرناً ان صح التعبير ويكون نقطة التقاء الأطراف المتنازعة بدلاً من يكون نقطة تعدي على هذا وذاك فالدولة العراقية لا تمتلك وسائل وأدوات المطاولة مع اي أزمة سواء اقتصادية او امنية او غير ذلك .

إن قرار الحرب والسلم وتحديد الموقف من الأزمات الإقليمية واستخدام القوة يجب أن تكون جميعها ضمن إطار مؤسسات الدولة الدستورية وبما يضمن أن يكون القرار العراقي نابعاً من المصلحة الوطنية أولاً وهذا مايضمن ان يكون العراق نقطة التقاء.

الثالث: الأصلاح الاقتصادي.. العراق بحاجة إلى اقتصاد لا يعتمد على مورد واحد و قد تكون المعركة الاقتصادية من أكثر الملفات حساسية خصوصاً في ظل اعتماد الدولة العراقية بدرجة كبيرة على النفط كمصدر ريعي من جانب ومن جانب آخر اعتماد العراق على الاستيراد بشكل كبير في أمور كثيرة أبرزها المواد الغذائية وتعرض الاقتصاد الوطني لتقلبات الأسواق العالمية والضغوط المالية والسياسية الدولية وعدم تفعيل قطاعي الزراعة والصناعة طوال السنوات الماضية.

ولهذا فإن الحكومة مطالبة بوضع رؤية اقتصادية تتجاوز الحلول التقليدية وتعمل على تنويع مصادر الدخل وتحفيز الاستثمار والسياحة وتطوير القطاعات الإنتاجية وخلق بيئة جاذبة لرأس المال المحلي والأجنبي.

كما أن الانفتاح الاقتصادي على الدول الغربية إلى جانب تعزيز الشراكات مع الاقتصادات الإقليمية القوية يمكن أن يمنح العراق مساحة أوسع للمناورة الاقتصادية ويعزز قدرته على مواجهة أي ضغوط أو عقوبات محتملة فالعراق يمتلك الموارد والإمكانات لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الإمكانات إلى اقتصاد منتج ومستدام لا اقتصاد يعتمد على عائدات النفط وحدها.

الرابع: البطالة والشباب.. وهو أخطر ملفات المستقبل ولا يمكن الحديث عن مستقبل العراق من دون التوقف عند أزمة البطالة خصوصاً بين الشباب والخريجين فقد أصبح من الضروري إعادة النظر في الفكرة التقليدية التي تجعل الوظيفة الحكومية الحل الأول والوحيد أمام الباحثين عن العمل فالدولة مهما اتسعت مؤسساتها،ك لن تكون قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين سنوياً والحل يكمن في بناء اقتصاد قادر على خلق فرص العمل خارج القطاع الحكومي من خلال دعم القطاع الخاص وتمكين المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتشجيع الاستثمار وتطوير قطاعات السياحة والزراعة والصناعة والاتصالات والطاقة.

كما أن إصلاح منظومة التعليم وربط مخرجاتها باحتياجات سوق العمل أصبح ضرورة وطنية اكدنا عليها كثيرا في مقالات سابقة لأن الاستثمار الحقيقي ليس في البنى التحتية وحدها وإنما في الإنسان العراقي وقدرته على الإنتاج والمشاركة في بناء الاقتصاد.

ختاماً : ان  نجاح هذه الملفات لا يعتمد على الحكومة وحدها بل يحتاج إلى بيئة سياسية داعمة ومستقرة ومن هنا تبرز مسؤولية الإطار التنسيقي بوصفه الجهة السياسية التي دعمت واختارت رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إذ إن دعم الحكومة لا ينبغي أن يتوقف عند لحظة تشكيلها بل يجب أن يتحول إلى دعم سياسي مستمر يمنحها القدرة على تنفيذ برنامجها ومواجهة الملفات الصعبة بعيداً عن الضغوط والمساومات التي قد تعرقل عملها.

إن نجاح الاختيار الذي ذهب إليه الإطار التنسيقي لن يُقاس بمجرد تشكيل الحكومة وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة في ملفات الدولة والاقتصاد والسيادة والخدمات وفرص العمل ، ومن ثم فإن دعم الحكومة سياسيا، مع الحفاظ على حق المؤسسات الرقابية والقوى السياسية في المساءلة والتقييم، تمثل مسؤولية وطنية في هذه المرحلة.

وفي المقابل فإن دعم الحكومة لا يقع على عاتق القوى السياسية وحدها فالشعب العراقي معني أيضاً بإنجاح الدولة ومؤسساتها خصوصاً في مرحلة مفصلية قد تتطلب قرارات صعبة وإصلاحات قد لا تكون نتائجها فورية.

لهذا فإن العراق اليوم بحاجة إلى حكومة تعمل، وإطار سياسي يدعم، وشعب يساند، ومؤسسات تراقب وتحاسب لأن المرحلة المقبلة ليست اختباراً لحكومة فقط بل اختبار لقدرة الدولة العراقية على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها.