تقدير موقف سياسات رئيس الوزراء في مكافحة الفساد(بين استعادة هيبة الدولة واختبار الإرادة السياسية

قسم الدراسات

تقدير موقف سياسات رئيس الوزراء في مكافحة الفساد(بين استعادة هيبة الدولة واختبار الإرادة السياسية

تقدير موقف

سياسات رئيس الوزراء في مكافحة الفساد(بين استعادة هيبة الدولة واختبار الإرادة السياسية 

الملخص التنفيذي

يشهد العراق مرحلة سياسية مفصلية في ظل إطلاق الحكومة حملة واسعة لمكافحة الفساد شملت إصدار أوامر قبض بحق عدد من المسؤولين والنواب المتهمين بقضايا تتعلق بالمال العام وقد أثارت هذه الإجراءات اهتمامًا واسعًا في الأوساط السياسية والشعبية باعتبارها تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الدولة على الانتقال من مرحلة إعلان النوايا إلى مرحلة التطبيق الفعلي لسيادة القانون وتكتسب هذه الحملة أهمية استثنائية لأنها تأتي في ظل تراكم تحديات اقتصادية وإدارية وسياسية رافقت الدولة العراقية خلال السنوات الماضية وأسهمت في إضعاف ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية نتيجة استمرار ملفات الفساد وتراجع مستويات الخدمات العامة. ومن هذا المنطلق، فإن نجاح الحملة لن يرتبط بعدد أوامر القبض أو حجم التغطية الإعلامية وإنما بقدرة مؤسسات الدولة على تحويلها إلى سياسة عامة مستدامة تقوم على استقلال القضاء وتعزيز الرقابة وترسيخ مبدأ المساءلة وضمان تطبيق القانون على الجميع دون تمييز.

 تسعى هذه الورقة إلى تحليل أبعاد الحملة وبيان دلالاتها السياسية والمؤسسية واستعراض أبرز التحديات التي قد تواجهها فضلًا عن استشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبلها وانعكاساتها على مسار بناء الدولة في العراق.

أولًا: خلفية الحدث

يشكل الفساد أحد أبرز التحديات التي واجهت الدولة العراقية منذ عام 2003 إذ تراكمت ملفات الفساد المالي والإداري بصورة أثرت بشكل مباشر في كفاءة مؤسسات الدولة وأضعفت قدرتها على تقديم الخدمات العامة وأعاقت تنفيذ العديد من المشاريع التنموية فضلًا عن انعكاساتها السلبية على الاقتصاد الوطني والاستثمار وثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية ورغم تعدد الحكومات التي رفعت شعار مكافحة الفساد فإن النتائج بقيت محدودة لأسباب متعددة من بينها تعقيد البيئة السياسية وتداخل المصالح وضعف التنسيق بين المؤسسات الرقابية فضلًا عن غياب الإصلاحات الهيكلية التي تعالج جذور المشكلة الأمر الذي جعل الفساد يتحول من حالات فردية إلى تحدٍ مؤسسي يتطلب معالجة شاملة.

وفي هذا السياق، جاءت الحملة الأخيرة التي أطلقتها الحكومة برئاسة علي الزيدي والتي تضمنت إصدار أوامر قبض بحق عدد من المسؤولين والنواب المتهمين بقضايا فساد في إطار إعلان حكومي يؤكد أن مكافحة الفساد تمثل إحدى أولويات المرحلة المقبلة وقد حظيت هذه الإجراءات بمتابعة واسعة ليس فقط بسبب الشخصيات التي شملتها وإنما لأنها تعيد طرح سؤال جوهري يتعلق بقدرة الدولة العراقية على فرض سيادة القانون دون تمييز واستعادة ثقة المواطنين بمؤسساتها وبغض النظر عن المواقف المؤيدة أو المتحفظة فإن هذه الحملة تمثل اختبارًا عمليًا للإرادة السياسية في مكافحة الفساد إذ إن الرأي العام العراقي لم يعد يكتفي بإعلان الحملات أو إصدار البيانات بل بات يقيس نجاحها بقدرة الدولة على استكمال الإجراءات القضائية وإصدار أحكام تستند إلى الأدلة وإحداث إصلاحات مؤسسية تمنع تكرار الفساد في المستقبل.

لا ينبغي النظر إلى الحملة بوصفها مجرد إجراءات قانونية بحق متهمين بل باعتبارها مؤشرًا على طبيعة العلاقة متكاملة بين (السلطة والقانون) ومدى قدرة مؤسسات الدولة على ترسيخ مبادئ العدالة والمساءلة والشفافية كما أنها تمثل فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع إذا ما اقترنت بإصلاحات إدارية ورقابية تعالج مواطن الخلل التي سمحت بانتشار الفساد خلال السنوات الماضية. 

وعليه، فإن تقييم هذه الحملة ينبغي أن ينطلق من رؤية شاملة لا تقتصر على متابعة الإجراءات الأمنية أو القضائية وإنما تمتد إلى تحليل آثارها السياسية والمؤسسية ومدى انعكاسها على عملية بناء الدولة وتعزيز الاستقرار وترسيخ دولة المؤسسـات

ثانيًا: دلالات الحملة

لا يمكن قراءة حملة مكافحة الفساد بمعزل عن السياق السياسي والإداري الذي يمر به العراق إذ تحمل هذه الإجراءات مجموعة من الدلالات التي تتجاوز البعد القضائي وتمتد إلى طبيعة العلاقة بين الدولة ومؤسساتها والمجتمع.

1- دلالة سياسية

تمثل الحملة رسالة سياسية تؤكد سعي الحكومة إلى إظهار قدرتها على فرض القانون وتعزيز هيبة الدولة ولا سيما أن ملف الفساد كان حاضرًا في أغلب البرامج الحكومية السابقة دون أن يحقق نتائج ملموسة. ومن هذا المنطلق، فإن الإجراءات الأخيرة تعكس محاولة لإثبات وجود إرادة سياسية لتحويل مكافحة الفساد من شعار انتخابي أو حكومي في ظل قرار الزيدي بعدم المشاركة في الانتخابات وتأسيس حزب إلى مسار عملي يخضع للقانون.

 

كما تحمل الحملة رسائل إلى القوى السياسية مفادها أن المرحلة المقبلة قد تشهد تشديدًا في تطبيق القانون على ملفات الفساد وهو ما قد يسهم في إعادة ترتيب العلاقة بين السلطة التنفيذية وبقية مؤسسات الدولة إذا ما استمرت الإجراءات ضمن الأطر الدستورية والقانونية.

2- دلالة قانونية

تؤكد الحملة أهمية استقلال القضاء بوصفه الضامن الرئيس لنجاح أي مشروع لمكافحة الفساد إذ إن تطبيق القانون بصورة متساوية على الجميع يمثل الركيزة الأساسية لبناء دولة المؤسسات. ومن ثم فإن نجاح الإجراءات القضائية سيعزز ثقة المواطنين بالقضاء ويكرس مبدأ المساواة أمام القانون في حين أن أي إخفاق أو انتقائية قد ينعكس سلبًا على صورة مؤسسات الدولة.

كما تسلط الحملة الضوء على أهمية تطوير أداء المؤسسات الرقابية وتعزيز التنسيق بينها وبين السلطة القضائية بما يضمن الانتقال من معالجة القضايا بعد وقوعها إلى بناء منظومة وقائية تحد من فرص الفساد قبل حدوثه.

3- دلالة اقتصادية

يمثل الفساد أحد أبرز العوامل التي أضعفت الاقتصاد العراقي من خلال هدر المال العام وتعطيل المشاريع وإضعاف بيئة الاستثمار ورفع كلفة تنفيذ المشاريع الحكومية. لذلك فإن نجاح الحملة قد يسهم في تعزيز ثقة المستثمرين وتحسين كفاءة الإنفاق العام وتوجيه الموارد نحو مشاريع التنمية والخدمات وهو ما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد الوطني وفي المقابل، فإن استمرار الفساد أو الاكتفاء بإجراءات محدودة قد يبقي البيئة الاقتصادية منهارة وعرضة للهدر وضعف الكفاءة بما يؤثر في فرص التنمية المستدامة.

ثالثًا: التحديات

رغم أهمية الحملة وما تحمله من رسائل سياسية وقانونية، فإن نجاحها يبقى مرتبطًا بقدرة الدولة على تجاوز مجموعة من التحديات التي قد تؤثر في مسارها ونتائجها.

1- ضمان استقلال القضاء

يمثل استقلال القضاء التحدي الأبرز أمام أي حملة لمكافحة الفساد إذ إن نجاح الإجراءات يعتمد على قدرتها على الاستمرار وفق الأدلة والقانون، بعيدًا عن الضغوط السياسية أو الإعلامية. كما أن سرعة حسم القضايا مع الحفاظ على ضمانات المحاكمة العادلة تعد عاملًا أساسيًا في ترسيخ الثقة بالمؤسسة القضائية.

2- تجنب الانتقائية في تطبيق القانون

من أبرز التحديات التي تواجه أي حملة لمكافحة الفساد هو ترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون بحيث تشمل الإجراءات جميع المتورطين دون تمييز أو استثناء فشعور المواطنين بوجود انتقائية في الملاحقات قد يضعف من مصداقية الحملة ويؤثر في نتائجها.

3- الإصلاح المؤسسي (إصلاح المنظومة الإدارية)

إن ملاحقة المتهمين تمثل جزءًا من عملية الإصلاح لكنها لا تكفي بمفردها للقضاء على الفساد أن المعالجة الحقيقية تتطلب إصلاح المنظومة الإدارية وتبسيط الإجراءات الحكومية وتعزيز الحوكمة والاعتماد على الأنظمة الرقمية وتقوية الأجهزة الرقابية بما يقلل من فرص الفساد مستقبلًا.

4- الضغوط السياسية والإدارية

قد تواجه الحملة ضغوطًا ناتجة عن تعقيدات المشهد السياسي أو تضارب المصالح الأمر الذي يتطلب وجود إرادة سياسية ثابتة تحافظ على استقلالية المؤسسات وتمنع التأثير في مسار الإجراءات القضائية أو الرقابية.

5- إدارة الرأي العام

يشكل الرأي العام عنصرًا مهمًا في نجاح الحملة إذ إن المواطنين يتوقعون نتائج ملموسة تتجاوز التصريحات الإعلامية ولذلك فإن الشفافية في عرض المعلومات والإعلان عن نتائج التحقيقات والأحكام القضائية وفق القانون يسهمان في تعزيز الثقة بالإجراءات الحكومية والحد من انتشار الشائعات أو التفسيرات غير الدقيقة.

رابعًا: السيناريوهات المحتملة

استنادًا إلى المعطيات الحالية يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار حملة مكافحة الفساد تختلف وفق مستوى الإرادة السياسية واستقلال القضاء وقدرة مؤسسات الدولة على تحويل الإجراءات الحالية إلى إصلاحات مستدامة.

السيناريو الأول: نجاح الحملة وترسيخ المسار المؤسسي (السيناريو المرجح)

يقوم هذا السيناريو على استمرار الإجراءات القضائية وفق الأطر الدستورية والقانونية مع استكمال التحقيقات وإصدار أحكام قضائية تستند إلى الأدلة بالتزامن مع تنفيذ إصلاحات إدارية ورقابية تحد من أسباب الفساد وتغلق منافذ الهدر المالي. ومن شأن هذا المسار أن يعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة ويرفع مستوى الشفافية ويحسن بيئة الاستثمار ويمنح الحكومة رصيدًا سياسيًا وشعبيًا، فضلًا عن ترسيخ مبدأ أن القانون يطبق على الجميع دون استثناء.

السيناريو الثاني: تحقيق نتائج جزئية

يفترض هذا السيناريو استمرار الحملة من الناحية القانونية لكنها تقتصر على عدد محدد من الملفات دون أن ترافقها إصلاحات مؤسسية واسعة. وفي هذه الحالة قد تحقق الحكومة نجاحًا محدودًا في ملاحقة بعض المتهمين إلا أن جذور الفساد ستبقى قائمة نتيجة استمرار الثغرات الإدارية والرقابية.

ويؤدي هذا السيناريو إلى تحسين نسبي في الأداء الحكومي لكنه لا يحقق تحولًا هيكليًا في منظومة النزاهة والإدارة العامة.

السيناريو الثالث: تراجع الحملة

يفترض هذا السيناريو تعرض الحملة لضغوط سياسية أو إدارية تؤدي إلى إبطاء الإجراءات أو تقليص نطاقها أو اقتصارها على ملفات محددة دون استكمالها بأحكام قضائية نهائية. وفي هذه الحالة قد تتراجع ثقة المواطنين بالإصلاحات الحكومية ويزداد الاعتقاد بأن مكافحة الفساد ما زالت تخضع للاعتبارات السياسية أكثر من خضوعها لسيادة القانون.

ويعد هذا السيناريو الأقل فائدة للدولة، لما قد يتركه من آثار سلبية على ثقة الرأي العام وعلى صورة المؤسسات الحكومية وعلى بيئة الاستثمار والاستقرار السياسي.

خامسًا: التقدير النهائي

تشير المؤشرات الأولية إلى أن حملة مكافحة الفساد تمثل خطوة مهمة في اتجاه استعادة هيبة الدولة وتعزيز سيادة القانون، إلا أن نجاحها سيظل مرهونًا بقدرة الحكومة على تحويلها من إجراءات آنية إلى مشروع إصلاحي متكامل يقوم على استقلال القضاء وتفعيل دور المؤسسات الرقابية وإصلاح المنظومة الإدارية وتعزيز الشفافية والمساءلة كما أن استدامة هذه الحملة تتطلب الابتعاد عن أي ممارسات قد تفسر على أنها انتقائية أو ذات دوافع سياسية لأن معيار النجاح الحقيقي يتمثل في تطبيق القانون على جميع المتورطين دون استثناء مع الالتزام الكامل بالضمانات القانونية وحقوق التقاضي.

وعليه، فإن الحملة تمثل فرصة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الثقة وسيادة القانون، لكنها في الوقت نفسه تشكل اختبارًا لقدرة مؤسسات الدولة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء مؤسسات قادرة على منع الفساد قبل وقوعه وليس الاكتفاء بملاحقته بعد حدوثه.

سادسًا: التوصيات

انطلاقًا من المعطيات الحالية، يمكن طرح عدد من التوصيات التي من شأنها تعزيز فرص نجاح الحملة وتحويلها إلى مسار إصلاحي مستدام، أبرزها:

1. ضمان استقلال القضاء، وتوفير البيئة القانونية التي تمكنه من حسم ملفات الفساد بعيدًا عن أي ضغوط أو تدخلات.

2. دعم الأجهزة الرقابية وتمكينها من أداء مهامها بكفاءة، وتعزيز التنسيق بينها وبين السلطة القضائية.

3. الإسراع في إصلاح المنظومة الإدارية، وتوسيع استخدام الأنظمة الإلكترونية والحوكمة الرقمية للحد من الفساد الإداري.

4. تعزيز الشفافية من خلال نشر نتائج التحقيقات والأحكام القضائية وفق ما يسمح به القانون، بما يسهم في بناء الثقة مع الرأي العام.

5. استكمال ملاحقة جميع المتورطين في قضايا الفساد دون تمييز أو انتقائية، بما يكرس مبدأ المساواة أمام القانون.

6. ربط مكافحة الفساد ببرامج الإصلاح الاقتصادي والإداري، بما يضمن معالجة الأسباب البنيوية التي تسمح باستمرار هذه الظاهرة.

الخاتمة

تمثل حملة مكافحة الفساد في العراق محطة مفصلية في مسار بناء الدولة، لما تحمله من أبعاد سياسية وقانونية ومؤسسية تتجاوز حدود الإجراءات القضائية المباشرة. وإذا ما أُحسن استثمار هذه الفرصة، فإنها قد تؤسس لمرحلة جديدة تقوم على ترسيخ سيادة القانون، وتعزيز استقلال القضاء، وحماية المال العام، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن. وفي المقابل، فإن نجاح الحملة لن يُقاس بعدد أوامر القبض أو حجم التغطية الإعلامية، وإنما بقدرة مؤسسات الدولة على تحقيق نتائج قضائية رصينة، وإجراء إصلاحات مؤسسية مستدامة تعالج أسباب الفساد وتمنع تكراره. وعندها فقط يمكن القول إن العراق قد بدأ بالفعل الانتقال من دولة تواجه الأزمات إلى دولة تبني مؤسساتها على أسس العدالة والشفافية والمساءلة، بما يعزز الاستقرار السياسي ويفتح آفاقًا أوسع للتنمية المستدامة.واخيراً إن تحقيق ردع مستدام للفساد لا يعتمد علىالإجراءات الحكومية وحدها بل يتطلب تكامل أربعةعناصر رئيسية (قرار حكومي حاسم ودعم قضائيمستقل وتأييد شعبي واسع وإسناد سياسي حقيقي)فاجتماع هذه العناصر هو الضامن لاستمرار مكافحةالفساد وترسيخ سيادة القانون.