خمسون دقيقة "تمام"بين روبيو وسلام في واشنطن
قسم التحرير
خمسون دقيقة "تمام"بين روبيو وسلام في واشنطن
بقلم: أحمد المالكي
رئيس مركز شؤون دولية باللغة العربية للدراسات السياسية والإعلامية
تواصل الولايات المتحدة الأمريكية اتصالاتها وتنسيقها مع لبنان من أجل تحقيق الاستقرار والسلام، وفق المنطق الأمريكي القائم على مساعدة لبنان في تجاوز أزماته السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية. ويأتي ذلك في إطار الاتفاق الثلاثي بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، إلا أن هذا الإطار ما يزال معطلاً بأمر من حزب الله وإسرائيل، فيما يبقى لبنان والشعب اللبناني هما المتضرر الأكبر.
ورغم الإصرار اللبناني على استعادة السيادة والتمسك بالدبلوماسية، تظل الانتخابات الإسرائيلية حتى الآن عقبة أمام تحقيق أي تقدم على الأرض. ويضاف إلى ذلك استمرار لهجة التصعيد من الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، الذي لم يعد يمتلك، بحسب المشهد القائم، سوى خطاباته التي تؤدي إلى تعقيد الوضع اللبناني داخلياً، وتعرقل الجهود الخارجية الساعية إلى مساعدة لبنان ومؤسساته الشرعية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني الذي يحتاج إلى الدعم لكي يبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي ويستعيد سيادة لبنان.
اجتماع واشنطن بين ماركو روبيو ونواف سلام، في مقر وزارة الخارجية الأمريكية، استمر لمدة خمسين دقيقة، بحضور مستشار وزارة الخارجية الأمريكية دان هولر، ووزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجي، إضافة إلى السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، والسفير الأمريكي في بيروت ميشال عيسى.
وناقش الاجتماع بصورة واضحة مختلف المسائل المتعلقة بالوضع اللبناني وعلاقة لبنان بدول المنطقة، إضافة إلى سيادة لبنان وتعزيز الشراكة المتجددة مع الولايات المتحدة من أجل إعادة بناء الدولة اللبنانية.
وحاول نواف سلام خلال اجتماعه مع روبيو وضع النقاط على الحروف، من أجل الإسراع في وتيرة التعافي وإعادة الإعمار في لبنان، وذلك رغم الضغط الأمريكي على المؤسسات المالية اللبنانية لمحاصرة تمويل حزب الله وعمليات غسيل الأموال التي يقوم بها الحزب نتيجة أنشطته غير المشروعة.
لبنان يسعى إلى البحث عن مخرج من أزماته، وهناك حماس دولي لدعم لبنان في مختلف قطاعاته ومؤسساته، لكن تظل الأمور والاتفاقات والالتزامات حبراً على ورق. وللأسف، هذه هي الحقيقة، إذ لا توجد حتى اليوم خطوات يمكن أن تجعل الواقع أفضل.
ولدى لبنان اليوم الإرادة السياسية والشعبية للتخلص من حزب الله ومشاكل الدولة اللبنانية، وإعادة بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها. لكن يبقى التحكم الإيراني في لبنان عن طريق حزب الله معطلاً لكل مسارات الحلول، وفي الوقت نفسه يمنح إسرائيل الذريعة للبقاء في لبنان واحتلال مزيد من الأراضي اللبنانية، بحجة عدم قدرة الجيش اللبناني على حصر السلاح بيد الدولة، وعدم قدرته على بسط السيادة على كامل الأراضي اللبنانية.
سلام، خلال اجتماعه مع روبيو، تحدث عما يريده لبنان من الولايات المتحدة، وحاول أيضاً طمأنة اللبنانيين إلى أن الولايات المتحدة تدعم لبنان ومؤسساته وجيشه، وأن الاتفاق الإطاري الثلاثي لا يشمل فقط الترتيبات الأمنية، بل يشمل أيضاً الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار وإعادة البنى التحتية وتقديم الخدمات، بالإضافة إلى طمأنة النازحين من أجل تهيئة الظروف لعودتهم إلى مناطقهم التي نزحوا منها.
لكن على الأرض، حتى اليوم، تبقى النتيجة صفراً. فالحكومة لديها الإرادة، لكنها غير قادرة على إنهاء الاحتلال أو إعادة السيطرة على كامل الأراضي اللبنانية، وغير قادرة كذلك على حصر السلاح بيد الدولة، لأن مواجهة حزب الله سوف تؤدي إلى حرب أهلية في لبنان.
الوضع اللبناني في غاية الخطورة، ليس على لبنان فقط، وإنما على المنطقة كلها، في ظل إصرار حزب الله على استخدام لبنان كورقة ضغط إيرانية ضمن أوراق اللعبة الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ورغم أن حزب الله لم يعد بالقوة التي يمكن التعويل عليها بعد خسارته مناطقه الاستراتيجية في جنوب لبنان، تصر إيران على استخدام هذه الورقة الخاسرة، لأنها تملك ورقة أخرى أكثر ربحاً من حزب الله، وهي ورقة مضيق باب المندب. ومع ذلك، تظل إيران تؤمن بأن وحدة الساحات هي التي تجعلها في حالة قوة في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
نحن أمام حالة من عدم وجود أي رؤية مستقبلية واضحة في الوضع اللبناني، ولا يوجد ضوء في نهاية النفق. وللأسف، فإن لبنان ما زال في بداية النفق، وما زال في مكانه لا يتحرك.
ورغم أن الأحزاب السياسية في لبنان غاضبة من حزب الله، وهناك غضب في الشارع اللبناني من الحزب، لأن أغلب الشعب اللبناني يرى أن سبب ما وصل إليه لبنان اليوم يعود إلى حزب الله، فإن إصرار الحزب على البقاء بحجة أنه مقاومة يجعل لبنان في وضع صعب، ويجعل إعادة بناء الدولة أمراً مستحيلاً في هذا الوضع.
جوزف عون، رئيس الجمهورية اللبنانية، ونواف سلام، رئيس الوزراء اللبناني، يحاولان من خلال التواصل الدولي والعربي والإقليمي البحث عن مخرج سريع للأزمة في لبنان، ومحاولة تعديل الأوضاع الاقتصادية والأمنية والعسكرية والسياسية لهذا البلد الذي تعرض لسنوات من سيطرة حزب الله عليه، وعزله عن محيطه العربي، بالإضافة إلى عزله دولياً، وجعله مرتعاً لمجرمي الإرهاب من الحرس الثوري الإيراني، وتجار المخدرات، وتجار البشر، والأنشطة الإجرامية والإرهابية، لكي يحصل حزب الله على الأموال على حساب الشعب اللبناني ومستقبله.
للأسف، لبنان ليس «تمام» حتى اليوم، ونأمل أن يكون اجتماع سلام في واشنطن مع روبيو، الذي استمر خمسين دقيقة، والخروج بتصريح بأن الاجتماع كان «تمام»، بداية لأن تكون الأوضاع «تماماً» فعلاً في لبنان في أسرع وقت، مع وجود رغبة عربية ودولية وإقليمية في استعادة لبنان وسيادته.

A.H