بغداد ودمشق: هل تتحول الجغرافيا من عبء أمني إلى قوة استراتيجية؟

قسم الدراسات والأبحاث

بقلم: د. ساعود جمال ساعود – كلية العلوم السياسية – جامعة دمشق.

تأتي أهمية زيارة رئيس الوزراء العراقي السيد علي الزيدي إلى دمشق ولقائه مع السيد رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع وزيارة مقام السيدة زينب عليها السلام وما في ذلك من دلالات إيجابية، في كونها أول زيارة لرئيس حكومة عراقي إلى سوريا منذ كانون الأول/ديسمبر 2024 فحسب،  بالإضافة إلى كون الزيارة جاءت في سياق مرحلة يعاد فيها تشكيل العلاقات الإقليمية من قبل الدولتين، وتبحثان فيها عن طرق أكثر أمناً للطاقة والتجارة، فيما تواجه بغداد ودمشق تحديات داخلية تتعلق بالأمن، وإعادة بناء المؤسسات واستعادة الثقة وتثبيت سلطة الدولة، لذا ينبغي قراءة الزيارة بوصفها اختباراً لإمكان انتقال العلاقة من إدارة المخاطر المتبادلة إلى بناء مصالح استراتيجية طويلة الأمد. 

نقطة البداية هي الجغرافيا السياسية وليست النتيجة، حيث يمتلك العراق موارد نفطية كبيرة وموقعاً يربط الخليج ببلاد الشام وتركيا، بينما تمتلك سوريا منفذاً على البحر المتوسط وموقعاً يمكن أن يصل بين أسواق الخليج والمشرق وأوروبا، لكن الجغرافيا لا تنتج القوة تلقائياً؛ فهي قد تتحول إلى مصدر للنفوذ إذا أحسنت الدول تنظيمها، أو إلى مصدر للتهديد إذا عجزت عن ضبط الحدود وحماية الطرق وإدارة التنافس الإقليمي، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان البلدان متجاورين، بل ما إذا كانا قادرين على تحويل هذا التجاور إلى شبكة مصالح يصعب على أي طرف تعطيلها.

ومن هذه الزاوية، يحمل بحث خط كركوك – بانياس النفطي دلالة تتجاوز الطاقة، فإيجاد منفذ إضافي لتصدير النفط العراقي عبر المتوسط يمكن أن يوسع خيارات بغداد ويقلل اعتمادها على مسار واحد، ويمنح سوريا دوراً اقتصادياً في شبكة الطاقة الإقليمية، لكن يجب التمييز بين الفكرة الاستراتيجية والقدرة التشغيلية؛ إذ تشير تقديرات نقلتها رويترز في آب/أغسطس 2026 إلى أن المشروع قد يحتاج إلى نحو أربع سنوات وكلفة لا تقل عن 15 مليار دولار، مع ضرورة إنشاء بنية تحتية واسعة بدلاً من الاكتفاء بإصلاح الخط التاريخي، وهذا يعني أن المشروع فرصة محتملة، لا إنجازاً تحقق بالفعل. 

ولا يعني الاستقلال الاستراتيجي الابتعاد عن القوى الكبرى، بل توسيع هامش الاختيار بينها، حيث يحتاج العراق إلى الحفاظ على علاقاته مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج وإيران وتركيا، كما تحتاج سوريا إلى الاستثمارات والأسواق والعلاقات التي تساعدها على التعافي، والمشكلة تبدأ حين يصبح أي مشروع ثنائي رهينة لمعادلات خارجية أو أداة في صراع النفوذ بين القوى الإقليمية،  لذلك لا يكفي أن يتفق البلدان على مشروع للطاقة؛ بل يجب أن يصمما آليات تمويل وتشغيل وحماية تجعل المشروع قائماً على المصالح المتبادلة، وتحد من قدرة أي طرف خارجي على تعطيله أو تحويله إلى ورقة ضغط.

أما التحدي الأمني، فيتصل بطبيعة الحدود المشتركة وبإرث سنوات الصراع، فتنظيم داعش، وشبكات التهريب، والجريمة المنظمة، وتحركات الجماعات المسلحة، كلها ملفات لا تستطيع دولة واحدة معالجتها بمعزل عن الدولة الأخرى، وقد تناولت محادثات دمشق بالفعل تعزيز تبادل المعلومات والتنسيق الحدودي ومكافحة الإرهاب والتهريب، لكن نجاح التعاون يتطلب أكثر من تفاهمات سياسية: إنه يحتاج إلى قنوات اتصال مؤسسية، وآليات للتحقق من المعلومات، وتحديد واضح للمسؤوليات، وإجراءات تمنع الحوادث الميدانية من التحول إلى أزمات سياسية. 

وفي الداخل العراقي، قد يواجه الانفتاح على دمشق تباينات في المواقف السياسية بشأن طبيعة العلاقة مع القيادة السورية الجديدة، وحدود التعاون الأمني معها، وانعكاسات هذا الانفتاح على التوازنات الإقليمية، بينما في سوريا، يرتبط نجاح التقارب بقدرة مؤسسات الدولة على فرض القانون، وتأمين الطرق والمنشآت، وبناء بيئة قابلة للاستثمار، وبذلك فإن العلاقة الثنائية ليست ملفاً خارجياً منفصلاً عن الداخل؛ بل تتوقف قدرتها على التقدم على قدرة الحكومتين على بناء توافقات داخلية حولها.

ومن الضروري أيضاً عدم اختزال العلاقة في محور بغداد–دمشق وحده، فتركيا تملك مصالح اقتصادية وأمنية مرتبطة بممرات التجارة والطاقة، وإيران تتابع أي تحول يمس شبكات نفوذها الإقليمية، فيما تنظر الولايات المتحدة إلى أمن الحدود ومكافحة الإرهاب وتنويع مسارات الطاقة ضمن حساباتها الأوسع، أما دول الخليج فتستطيع أن تكون مصدراً للتمويل والاستثمار والربط التجاري، وليس من الدقة افتراض أن هذه الأطراف ستتخذ موقفاً موحداً من التقارب؛ فلكل منها مصالح مختلفة قد تتقاطع مع بعض المشاريع وتتصادم مع غيرها. 

 على المدى البعيد، يمكن للتعاون العراقي– السوري أن يتوسع من النفط إلى الزراعة والصناعات التحويلية والنقل البري والسكك الحديدية والربط الكهربائي والاتصالات، وتزداد أهمية هذه القطاعات لأنها تخلق مصالح يومية للشركات والمزارعين والناقلين والمستهلكين، بدلاً من حصر العلاقة في صفقات كبرى تتأثر بتغير الحكومات، لكن التكامل الاقتصادي الحقيقي لا يقوم على توقيع الاتفاقات وحده؛ بل يحتاج إلى أنظمة جمركية متوافقة، وإجراءات مصرفية قابلة للتنفيذ، وضمانات للمستثمرين، ومحاكم أو آليات تحكيم موثوقة، ومكافحة للفساد والاحتكار، وعلى سبيل المثال يستحق التعاون الزراعي اهتماماً يتجاوز تبادل المنتجات، فالعراق وسوريا يواجهان تحديات تتصل بالمياه وتغير المناخ وكلفة الإنتاج والنقل والأمن الغذائي، ويمكن تأسيس برامج مشتركة لتبادل البيانات الزراعية، وتطوير البذور الملائمة للظروف المحلية، وتحسين التخزين والنقل والتصنيع الغذائي، وتنسيق المواسم والأسواق بما يخدم المنتجين والمستهلكين في البلدين، أما إدارة المياه، فتحتاج إلى تفاهمات فنية مستمرة تقوم على البيانات والتفاوض، لأن المصالح الزراعية المشتركة لا تلغي اختلاف الاحتياجات والضغوط الداخلية. وفي قطاع النقل على الممرات التجارية تعني أن كل طريق سيواجه حسابات تتعلق بالكلفة والوقت والرسوم والتمويل والأمن، ولذلك فإن الأفضل اقتصادياً ليس بالضرورة الطريق الأقصر جغرافياً، بل الطريق الأكثر موثوقية والأقل عرضة للتعطيل والأقدر على تقديم خدمات مستقرة للمستثمرين والناقلين.

وللتنويه ينبغي على الصعيد الأمني التمييز بين التهديد الإرهابي، والجريمة المنظمة، والنشاط السياسي، حتى لا يتحول التعاون الأمني إلى عنوان فضفاض يضعف الثقة أو يخلق احتكاكات جديدة، وتوجد أيضاً فرصة لبناء تعاون في الأمن السيبراني، فالمعابر والأنظمة الجمركية وشبكات الطاقة والاتصالات أصبحت تعتمد على البنية الرقمية، وأي هجوم إلكتروني أو تعطيل للبيانات قد يؤثر في حركة التجارة وسلامة المنشآت، ويمكن للبلدين البدء بتبادل التحذيرات من الهجمات الرقمية، وتطوير خطط لاستمرارية الخدمات، وحماية قواعد بيانات المعابر والطاقة، والتدريب المشترك على الاستجابة للحوادث، ولا يتطلب هذا المسار تحالفاً تقنياً واسعاً في البداية؛ بل يحتاج إلى قواعد واضحة لتبادل المعلومات وحماية البيانات وتحديد الجهات المخولة بالوصول إليها.

الخلاصة إن زيارة الزيدي إلى دمشق قد تمثل بداية انتقال تدريجي من الحذر إلى الشراكة، لكنها لا تثبت وحدها تحقق هذا الانتقال، وإن الاختبار الأهم للعلاقة ليس عدد الاتفاقات التي ستوقعها الحكومتان، بل مقدار ما ستضيفه إلى قدرة البلدين على حماية اقتصادهما وتحسين حياة مواطنيهما. فإذا انعكس التعاون على فرص العمل، وأسعار النقل، واستقرار الأسواق، وتراجع التهريب، وتحسن إدارة الحدود، اكتسبت العلاقة قاعدة اجتماعية أوسع من التفاهم السياسي، أما إذا بقيت المشاريع الكبرى منفصلة عن احتياجات المجتمعات المحلية، فقد تظل العلاقة عرضة للتقلبات السياسية والضغوط الخارجية.