الانسحاب الأمريكي عام 2026 وإعادة تموضع العراق الجيوسياسي في توازنات القوة الإقليمية

قسم التحرير

الانسحاب الأمريكي عام 2026 وإعادة تموضع العراق الجيوسياسي في توازنات القوة الإقليمية

الانسحاب الأمريكي عام 2026 وإعادة تموضع العراق الجيوسياسي في توازنات القوة الإقليمية

ا.م.د. عباس فاضل علوان 

جامعة الكوفة - كلية العلوم السياسية

المقدمة

    تمثل سنة 2026 محطة مفصلية وفاصلة في تاريخ العراق الحديث والمعادلات الأمنية الشاملة في منطقة الشرق الأوسط، حيث يضع اكتمال انسحاب القوات العسكرية الأمريكية وانقضاء المهمة القتالية للتحالف الدولي في الثلاثين من أيلول/ سبتمبر الدولة العراقية أمام اختبار استراتيجي حقيقي يتعلق بالسيادة الوطنية وإدارة الأمن القومي . 

    وتتبلور الإشكالية في كيفية توفيق صانع القرار في بغداد بين نهاية الحضور العسكري المبااشر للقوات الأجنبية وتجنب الوقوع في خروقات أو هشاشة أمنية قد تستغلها القوى الإقليمية المتنافسة أو الجماعات المسلحة، خاصة في ظل تقاطع الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية المتبادلة بين واشنطن وطهران وأنقرة،وتنطلق الورقة التحليلية من فرضية مفادها أن هذا الانسحاب لا يعني خروجا أمريكيا كليا بقدر ما هو إعادة تنظيم للهيكل الجيوسياسي (Geopolitical) عبر الانتقال السلس من أدوات الحماية العسكرية المباشرة إلى استراتيجيات النفوذ الاقتصادي والمالي، مما يمنح القرار السياسي العراقي فرصة تاريخية للتحول من ساحة مكشوفة للصراع إلى محور للتوازن والوساطة الإقليمية إذا ما تمكنت الدولة من تحصين بنيتها الداخلية وتفعيل مشاريع التنمية المستدامة المشتركة .

    وللبحث في هذه التحولات المركبة، نناقش في الفقرات التحليليةالتالية أبعاد إعادة التموضع العراقي عبر محاور متسلسلة تتناول محددات وتداعيات الانسحاب .

أولا: التحول العسكري والجداول الزمنية لانسحاب عام 2026 .

    إن الإعلان الرسمي عن اختتام المهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في نهاية أيلول/ سبتمبر 2026، بناء على التوافقات والتوقيتات المتفق عليها بين حكومتي البلدين عام 2024، ينهي مرحلة كاملة امتدت لأكثر من عقدين منذ الغزو الأمريكي عام 2003، وتخللتها إعادة الانتشار لمحاربة تنظيم داعش (ISIS) عام 2014. ولا يمثل هذا التطور انقطاعا تاما للروابط الأمنية بين بغداد وواشنطن، بل ينقل العلاقة إلى إطار ثنائي جديد يقوم على التنسيق الأمني والتأطير الاستخباري وتدريب القوات الوطنية لحماية الحدود والمنشآت الحيوية والسيادية، وتتجلى أهمية هذا التحول في إعادة توزيع القوات الأمريكية المنسحبة نحو قواعد مجاورة، مع الاحتفاظ بقدرات الردع الجوي والتمكين الاستخباري وحماية البعثات الدبلوماسية في بغداد وأربيل . 

    كما انها اسندت المقاليد العسكرية كاملة إلى القوات المسلحة العراقية، مما يحتم عليها تطوير قدرات الدفاع الجوي واستكمال الجاهزية اللوجستية وتأمين سماء البلاد ضد الخروقات الخارجية، وتأكيد قدرة المؤسسات الرسمية الوطنية على إدارة الملف الأمني الميداني بكفاءة واقتدار بدون الحاجة إلى مظلة عسكرية أجنبية قائمة على الأراضي العراقية .\

ثانيا: المعادلة الإقليمية المزدوجة بين الجوار الإيراني والحضور الأمريكي المتموضع .

    تتجه القراءة التحليلية الشاملة للمشهد السياسي والأمني العراقي عام 2026 إلى توصيف الدولة بوصفها دولة رباعية الأقطاب (Four-Pole State) تتوزع فيها مراكز التأثير وصنع القرار بين كتلة حكومية مركزية تسعى إلى الدبلوماسية المتوازنة وقوى سياسية وعسكرية مقربة من إيران تمتلك نفوذا ميدانيا ونيابيا واسعا، إلى جانب القطبين الكردي والسني المتطلعين إلى حماية المصالح الفئوية والتوازن الإقليمي وتأمين المناطق المحررة من التهديدات الأمنية، وفي المقابل ان مغادرة القوات العسكرية الأمريكية لا تعني غياب التأثير الأمريكي عن بغداد، حيث تعيداستراتيجية الدفاع الوطنية الأمريكية هندسة هذا التواجد من خلال التحول من اسلوب التدخل والحماية المباشرة الى استراتيجية الدعم والتمكين وتوظيف الوكلاء (Empowerment and Proxy)، عبر تفعيل أدوات الضغط المالي والاقتصادي والتحكم في مبيعات النفط وتعاملات العملة الصعبة عبر البنك الفيدرالي الأمريكي والتنسيق الاستخباري عالي المستوى مع بغداد وأربيل . 

    وضمن هذه المعطيات المركبة تسعى طهران إلى تثبيت مكاسبها اللوجستية وتأمين الممرات البرية الاستراتيجية نحو الشام وسوريا ولبنان لتعزيز خطوط الإمداد والتواصل الميداني والعسكري، بينما تحاول بغداد حماية القرار الوطني وتجنب الانخراط المباشر في المواجهة المحتدمة بين واشنطن وطهران، مما يجعل التوازن الدقيق بين النفوذين الإيراني والأمريكي اختبارا دقيقا ومستمرين لقدرة الدولة العميقة والمؤسسات الأمنية الرسمية على الصمود وتثبيت أركان سيادتها الكاملة وتجنب الانزلاق نحو أي طرف إقليمي أو دولي متنافس في المنطقة، وبناء قواعد متينة للسيادة الكاملة واستقلال القرار الوطني والسياسي وترسيخ مكانتها الإقليمية .

ثالثا: الدور التركي المتصاعد ومشروع طريق التنمية .

    تؤدي أنقرة دورا محوريا متزايد الأهمية في هندسة التوازنات الجيوسياسية الجديدة عقب الانسحاب الأمريكي، حيث تتقاطع المصالح التركية مع كل من واشنطن وبغداد في ترجيح كفة حكومة مركزية قوية قادرة على ضبط الحدود الشمالية ومواجهة التهديدات الأمنية المتمثلة في الجماعات المسلحة العابرة للحدود كحزب العمال الكردستاني وتأمين الشريط الحدودي المعقد والممتد عبر تضاريس جبلية صعبة، وتتجاوز الشراكة العراقية التركية الإطار الأمني التقليدي لتشمل ملفات استراتيجية حيوية مثل إدارة الموارد المائية وتوسيع قاعدة التبادل التجاري وتنفيذ مشروع طريق التنمية(Development Road) الذي يربط ميناء الفاو الكبير على رأس الخليج العربي بالحدود التركية ومنها إلى الأسواق الأوروبية قاطبة، ويمثل هذا المشروع الممر اللوجستي الأبرز في الجغرافيا الاقتصادية (Economic Geography) للمنطقة، حيث يطرح العراق نفسه عقدة مواصلات وتجارة دولية تجمع المصالح الإقليمية والدولية وتوفر البدائل الآمنة لسلاسل الإمداد العالمية والتجارية بين الشرق والغرب . 

    وفي الوقت الذي تنظر فيه طهران بنوع من القلق الاستراتيجي تجاه طريق التنمية خشية إضعاف موقعها الكلاسيكي كممر ترانزيت إقليمي منافس يربط وسط آسيا بالشرق الأوسط، تحاول بغداد موازنة المشروع بربط شبكات السكك الحديدية والموانئ مع جميع جيرانها، بما في ذلك خط شلامجة - البصرة مع إيران، مما يعزز الاعتماد المتبادل ويحول التنافس الإقليمي من مواجهة صفرية إلى فرص للاندماج والاستثمار الاقتصادي المستدام الذي يخدم المصالح القومية العليا لجميع الأطراف المعنية والاستقرار الإقليمي كله، ويؤكد دور العراق كصانع للتوازنات ومحرك للتنمية الإقليمية الشاملة وداعم رئيسي للاستقرار الاقتصادي والنمو والازدهار فيالمنطقة، مساهما في ترسيخ الأمن والتكامل الجيواقتصاديالإقليمي والدولي وتحقيق التنمية المستدامة لجميع شعوب المنطقة .

رابعا: استراتيجية الأمن الوطني العراقي (العراق أولا 2025 - 2030) والحياد الإيجابي .

    تأتي استراتيجية الأمن الوطني العراقي المعتمدة للفترة بين 2025 و2030 تحت شعار العراق أولا كمستند استراتيجي شامل يهدف إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني من المنظور العسكري التقليدي الضيق إلى مفهوم الوقاية والتنمية الشاملة التي تدمج بين الاقتصاد والحوكمة وضبط الحدود وسيادة القانون والاستقرار المجتمعي والسيبراني، وتضع هذه الاستراتيجية في مقدمة أولوياتها حصر السلاح بيد الدولة وتحديث البنى التحتية وتنويع الشراكات الدولية على أساس المصلحة الوطنية العليا وتحصين القرار الداخلي ضد التدخلات الخارجية والإملاءات الإقليمية،وتتكامل هذه الرؤية الداخلية مع تبني مبدأ الحياد الإيجابي(Positive Neutrality) في السياسة الخارجية، وهو المقترب الاستراتيجي الذي يرفض سياسة المحاور والتكتلات المغلقة، ويسعى إلى تحويل العراق من متلق لارتدادات الأزمات إلى وسيط إقليمي فاعل يجمع الفرقاء ويقود المبادرات الدبلوماسية لتهدئة التوترات في الشرق الأوسط، على غرار الوساطات السابقة بين طهران والرياض وعمان . 

    ان تحصين الجبهة الداخلية عبر تمكين المؤسسات الرسمية وتعميق الهوية الوطنية يمثل الشق الأساسي الذي يمنح بغداد القدرة على ممارسة هذا الدور الريادي، والانتقال من مرحلة الانكفاء والتأثر بالأزمات إلى صياغة التوازنات الأمنية في المنطقة بصورة مستدامة تحفظ هيبة الدولة واستقلال قرارها السيادي وجدارة مؤسساتها الوطنية كافة .

خامسا: سيناريوهات الاستقرار الداخلي والمخاطر الأمنية الناشئة .

    رغم تراجع المظلة العسكرية الأجنبية واكتمال جاهزية القوات الوطنية، تبقى البيئة الأمنية والسياسية محاطة بسيناريوهات متداخلة تفرض حذرا استراتيجيا مستمرا على صانع القرار العراقي والمؤسسات الأمنية والعسكرية، اذ تبرز المخاطر الأمنية في إمكانية استغلال خلايا تنظيم داعش النائمة لأي ثغرات أمنية أو سياسية في المناطق الحدودية والنائية أو صحراء الأنبار وجبال حمرين والمناطق المتنازع عليها، مما يتطلب استمرار التعاون الاستخباري وتطوير تقنيات المراقبة والاستطلاع الفني لمكافحة الإرهاب ومنع إعادة تشكل التهديدات العابرة للحدود التي هددت الأمن الإقليمي سابقا .

    وفي المقابل يثير خروج القوات الأجنبية تساؤلات جدية لدى المكونين الكردي والسني بشأن طبيعة الترتيبات الأمنية المستقبلية وإعادة توزيع السلطة والصلاحيات السياسية بين بغداد وإقليم كردستان والمحافظات المحررة من داعش، وتوحيد قوات البيشمركة وضبط التنسيق الميداني المشترك، كما تشكل مسألة السيطرة على الفراغ الاستراتيجي (Strategic Vacuum) محكا رئيسيا، إذ إن غياب التوازن العسكري المباشر قد يشجع بعض الفصائل المسلحة غير النظامية على توسيع نفوذها السياسي والميداني على حساب مؤسسات السلطة الرسمية والهياكل الدستورية، ولتلافي هذه التداعيات الخطيرة تتطلب المرحلة المقبلة بناء توافق سياسي وطني يضمن مشاركة جميع المكونات، وتعزيز القوة الناعمة (Soft Power) للدولة، وترسيخ الاستقرار المؤسسي والقضائي لمنع عودة الاضطرابات الأمنية أو تقويض سلطة القانون وبناء بيئة استثمارية آمنة جاذبة لرؤوس الأموال الاستثمارية الوطنية والأجنبية والتأسيس لمرحلة جديدة من الاستقرار الدائم والمستدام في البلاد، وضمان حماية المصالح العليا والمكاسب الديمقراطية والسيادية الوطنية بكفاءة واقتدار .

 

الخاتمة

    في المحصلة النهائية يتضح من التحليل العلمي المتسلسل أن الانسحاب الأمريكي عام 2026 لا يشكل نهاية المطاف في علاقات العراق الدولية والإقليمية، بل يمثل نقطة تحول استراتيجية مفصلية تعيد ترتيب أدوات نفوذ القوى العظمى والإقليمية المتنافسة في الشرق الأوسط . 

    ويلاحظ ان الدولة العراقية انتقلت بوعي سياسي جديد من مرحلة الوصاية الأمنية والاعتماد على الحضور العسكري المباشر إلى مرحلة إدارة التوازنات المتبادلة والاعتماد على الذات في بيئة جيوسياسية متعددة المحاور والأقطاب، وإن نجاح العراق في استثمار هذه اللحظة التاريخية الاستثنائية يتوقف بالدرجة الأولى على قدرة صانع القرار في بغداد على تطبيق استراتيجية الأمن الوطني وتثبيت دعائم الحياد الإيجابي، مع الاستمرار في تنفيذ المشاريع الاقتصادية الكبرى كطريق التنمية لتشبيك المصالح الإقليمية وتقليل مخاطر الاستقطاب السياسي، وبذلك يستطيع العراق تحويل جغرافيته من موقع للصراع والدفاع السلبي الى جسر للتواصل الرابط ومركز ثقل استراتيجي يفرض احترامه وسيادته الكاملة في معادلات القوة الإقليمية والدولية وتثبيت دعائم الأمن القومي المستدام وتأمين المستقبل المشرق لأبنائه .