"العراق بين هندسة النفوذ وإعادة التموضع"

قسم التحرير

"العراق بين هندسة النفوذ وإعادة التموضع"

العراق بين هندسة النفوذ وإعادة التموضع

بقلم: حسن البدري 

رئيس مركز البوصلة للحوار والدراسات B.C.D.S 

لم يعد السؤال أمام العراق هو كيف يتعامل مع محيطه الإقليمي والدولي بل كيف يعيد تعريف موقعه في ظل أهداف ومعادلات إقليمية ودولية تتغير باستمرار فالعراق بحكم موقعه الجغرافي وثقله السياسي وامتداده الحضاري يمتلك مقومات تؤهله لأن يكون طرفا فاعلا في صناعة الاستقرار ونقطة التقاء كما نوه رئيس الوزراء لا مجرد ساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين ، ومن هذا المنطلق يمكن قراءة تحركات رئيس مجلس الوزراء السيد علي الزيدي وعلاقاته الجديدة مع دول المنطقة باعتبارها محاولة لإعادة تموضع العراق على أساس الدولة ومصالحها واستعادة هيبة القرار العراقي وسيادة العراق بعيدا عن منطق الاصطفاف والمحاور فحفظ هيبة الدولة لا يتحقق بالخطاب الداخلي وحده وإنما يظهر في قدرة بغداد على بناء علاقات متوازنة والتفاوض من موقع المصلحة الوطنية وفتح قنوات اتصال مع مختلف الأطراف وهذا الأمر يتطلب أيضا دعما من القوى السياسية بمختلف توجهاتها وهنا تبرز أهمية إدارة تحالف الدولة بشكل عام، العراق اليوم لا يحتاج أن يكون جزءاً من صراع المحاور بقدر حاجته إلى أن يكون نقطة التقاء بينها فموقعه بين الخليجوإيران وتركيا وبلاد الشام وما يمتلكه من موارد وطاقة وممرات تجارية ومنافذ وما يمكن أن يوفره طريق التنمية مستقبلاً يمنحه فرصة لأن يحول الجغرافيا من عبء إلى قوة وأن ينتقل من إدارةتأثير الآخرين إلى هندسة جزء من التوازنات المحيطة به وفي عالم تتزايد فيه أهمية الجيواقتصاد تستطيع بغداد أن تجعل من التجارة والطاقة والاستثمار والممرات الإقليمية أدوات نفوذ سياسي واقتصادي تعزز مكانة العراق.

إن العراق بما يحمله من تجربة تاريخية مع الحروب والإرهاب والأزمات والانقسامات يمتلك قدرة خاصة على فهم تعقيدات المنطقة والتعامل معها بمختلف الظروف وفي أي وقت ولذلك يمكنه أن يكون مفاوضاً مقبولاً وجسراً للحوار ومحوراً يفضي إلى السلام بدل أن يكون ساحة للصراع فالعراق ليس مضطراً إلى اختيار موقعه بين المحاور بل يستطيع أن يصنع موقعه الخاص من خلال علاقات متوازنة مع الجميع ومن خلال دبلوماسية تقوم على المصالح لا على الاصطفافات ولا على لغة المحاور، لكن أي إعادة تموضع خارجي ستبقى محدودة ما لم تستند إلى استقرار داخلي حقيقي كما نوهت سابقا ولهذا فإن المرحلة تتطلب دعم العملية السياسية بمختلف تفاصيلها وتعزيز مؤسسات الدولة وتثبيت مبدأ حصر القرار السيادي بيدها وإدارة الاختلافات السياسية ضمن الإطار القانوني والدستوري كما تحتاج إلى دعم وطني واسع من الكرد والسنة والشيعة على حد سواء لأن قوة العراق الخارجية تبدأ من تماسكه الداخلي ومن اتفاق مكوناته وقواه السياسية كما أن سيادة العراق واستقراره واستقلال قراره ومنع تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية يقع على مسؤولية الجميع وليس مسؤولية رئيس الوزراء وحده

ختاماً،، 

إن مهمة العراق في هذه المرحلة ليست الانحياز إلى طرف دون آخر وإنما بناء مساحة مشتركة للجميع وإذا استطاع رئيس مجلس الوزراء السيد علي الزيدي أن يجمع بين هيبة الدولة في الداخل والتوازن في الخارج والدبلوماسية النشطة والانفتاح الاقتصادي فإن العراق سيكون أمام فرصة حقيقية للانتقال من دولة تتأثر بتوازنات المنطقة إلى دولة تشارك في صياغتها، فالعراق الذي كان عبر آلاف السنين نقطة التقاء الحضارات والشعوب والتجارة يستطيع اليوم أن يستعيد دوره التاريخي بأدوات الدولة الحديثة ليكون نقطة التقاء لا نقطة افتراق وممراً للمصالح لا ساحة للصراعات ومنصة للحوار لا مسرحاً للحروب وهنا تكمن هندسة النفوذ الحقيقية، أن تحول الجغرافيا إلى قوة والقوة إلى تفاوض والتفاوض إلى سلام.