مصر في مرمى الحسابات اليمنية.. هل يتحول الدفاع عن أمن المملكة إلى حرب تستنزف القاهرة؟

قسم التحرير

مصر في مرمى الحسابات اليمنية.. هل يتحول الدفاع عن أمن المملكة إلى حرب تستنزف القاهرة؟

ــــ

ما يقلقني في قرار تفويض الرئيس المصري باتخاذ الإجراءات اللازمة لدعم السعودية ليس مبدأ مساعدة دولة عربية تتعرض لهجمات، وإنما ما قد يترتب على هذه الخطوة إذا تجاوزت حدودها المعلنة. فهناك فرق كبير بين أن تساعد مصر السعودية على الدفاع عن أراضيها، وبين أن تتحول القوات المصرية إلى طرف في مواجهة عسكرية مع الحوثيين، بما يفتح الباب أمام صراع جديد لا يمكن ضمان حدوده أو موعد انتهائه.

وأعتقد أن هذا هو السؤال الذي يجب أن يسبق أي تحرك عسكري: هل تستطيع مصر تقديم مساعدة دفاعية محدودة دون أن تتحول إلى طرف في الحرب اليمنية؟ أم أن طبيعة الصراع والجغرافيا المحيطة به قد تفرض عليها حسابات أخرى لم تكن ضمن القرار الأول؟

في 26 أكتوبر 2026، وافق مجلس النواب المصري بأغلبية الثلثين على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ الإجراءات اللازمة لدعم السعودية، بالتنسيق معها، والدفاع عن أراضيها وسيادتها ومقدساتها ضد أي اعتداء خارجي. وجاء القرار بعد ثلاث جلسات مغلقة عقدها البرلمان في 18 و19 و26 أكتوبر، بناءً على طلب رئاسي.

لكن التفويض لا يعني أن القوات المصرية تحركت بالفعل. فالرئيس السيسي كان قد أعلن في 17 أكتوبر أن المساعدة العسكرية ستقدم إذا طلبتها الرياض، ثم عاد في 21 أكتوبر ليؤكد أن الدور المصري لن يتضمن مهاجمة اليمن، وأن المهمة تقتصر على الدفاع عن الأراضي والحدود السعودية.

وهنا توجد نقطة لا ينبغي تجاوزها: حتى الآن لا يوجد إعلان رسمي سعودي منشور يؤكد تقديم طلب محدد لنشر قوات مصرية، كما لم تعلن القاهرة تشكيل القوة أو حجمها أو مدة مهمتها. وبالتالي فإننا أمام تفويض سياسي وعسكري محتمل، وليس أمام عملية انتشار عسكري معلنة ومكتملة.

المقدسات.. البعد الذي يتجاوز الحسابات العسكرية

لفت انتباهي استخدام البرلمان عبارة «الدفاع عن أراضي السعودية وسيادتها ومقدساتها». فإضافة المقدسات إلى الأراضي والسيادة ليست مجرد صياغة لغوية عابرة.

السعودية تحتضن الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وأي تهديد لهما يحمل أبعادًا دينية ورمزية تتجاوز حدود المملكة. ولذلك فإن إدراج المقدسات في مبررات المهمة يمنح القرار مساحة أوسع من القبول الشعبي والعربي، ويضع الدفاع عنها في إطار يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية.

لكن علينا أن نفرق بين مشروعية حماية المقدسات وبين طبيعة الوسيلة المستخدمة لتحقيق ذلك. فحماية الحرمين لا تعني بالضرورة أن تدخل مصر في حرب مفتوحة داخل اليمن، كما أن الدفاع عن السعودية يمكن أن يتم بأدوات عسكرية ودبلوماسية متعددة، لا تقتصر على إرسال القوات.

الحوثيون يقرأون المشهد من زاوية مختلفة

في 29 أكتوبر، نشر موقع «المنصة» تصريحات لمحمد البخيتي، عضو المكتب السياسي لجماعة أنصار الله، حذر فيها من أن أي مشاركة عسكرية إلى جانب السعودية، حتى لو كانت دفاعية، ستُعد من وجهة نظر الجماعة مشاركة في الحرب على اليمن.

أنا لا أتعامل مع هذا التصريح باعتباره حكمًا قانونيًا دوليًا، وإنما باعتباره رسالة سياسية وعسكرية ينبغي أن تأخذها القاهرة في حساباتها.

الحوثيون لا ينظرون بالضرورة إلى المهمة من زاوية النوايا المصرية المعلنة، بل من زاوية تأثيرها على عملياتهم. فإذا تولت منظومات مصرية اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستهدف السعودية، فإن الجماعة قد تعتبر هذا الدور عائقًا أمام قدرتها على تنفيذ عملياتها.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. ماذا لو تعرضت منظومة دفاع مصرية لهجوم؟ هل سيكون الرد مقتصرًا على حماية القوات؟ أم سيمتد إلى استهداف منصات الإطلاق داخل اليمن؟ ومن يحدد لحظة الانتقال من الدفاع إلى الهجوم؟

هذه الأسئلة لا أجد لها إجابات واضحة في المعلومات المعلنة حتى الآن.

القانون الدولي لا يتوقف عند اسم المهمة

من المهم ألا نخلط بين تفويض البرلمان وبين دخول مصر القانوني في الحرب. فالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تعترف بحق الدفاع الفردي والجماعي عن النفس، بينما تنظم المادة الثانية المشتركة في اتفاقيات جنيف نطاق تطبيق القانون الدولي الإنساني على النزاعات المسلحة.

كما أن مجرد تقديم الدعم العسكري لا يجعل الدولة طرفًا في النزاع تلقائيًا. وتختلف المسألة عندما تستخدم الدولة القوة المسلحة ضد الطرف الآخر أو تشارك فعليًا في العمليات العدائية.

لذلك فإن وجود قوات مصرية داخل السعودية لحماية أراضيها واعتراض الهجمات لا يكفي وحده لإصدار حكم قاطع بأن مصر أصبحت طرفًا في النزاع اليمني. أما تنفيذ ضربات ضد مواقع الحوثيين داخل اليمن، أو الدخول في اشتباكات مباشرة معهم، فيضع المسألة أمام توصيف قانوني مختلف.

وأرى أن القاهرة مطالبة بتوضيح هذه الحدود، ليس فقط للشارع المصري، وإنما أيضًا للأطراف التي قد تتأثر بالمهمة.

التكلفة التي لا تظهر في بيانات التفويض

هناك جانب آخر لا يحظى بالاهتمام الكافي، وهو الجانب المالي والعسكري.

نحن نتحدث عن منظومات دفاع جوي تحتاج إلى أطقم تشغيل وصيانة وذخائر وقطع غيار ونقل وإمداد مستمر. وإذا استُخدمت صواريخ اعتراضية متقدمة لمواجهة طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة، فإن معادلة الاستنزاف تصبح أكثر تعقيدًا.

وقد تناول مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية هذه المشكلة في دراسته عن تكلفة اعتراض الهجمات الجوية والصاروخية، موضحًا أن الصواريخ الدفاعية المتقدمة قد تكون أعلى تكلفة بكثير من بعض الأسلحة الهجومية التي تتصدى لها.

ولا أريد أن أضع رقمًا لتكلفة المهمة المصرية؛ لأننا لا نعرف حتى الآن نوع المنظومات أو عددها أو مدة انتشارها، وأي رقم في هذه المرحلة سيكون تخمينًا لا يصلح للاستناد إليه.

لكن السؤال الذي أطرحه هو: هل حسبت الدولة تكلفة استمرار المهمة إذا تحولت الهجمات إلى موجات متكررة؟ وهل جرى تقدير ما يعنيه استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية بالنسبة إلى احتياجات الدفاع الجوي المصري على جبهات أخرى؟

ولا يمكن فصل هذه الحسابات عن الاقتصاد. فمصر لا تزال تتعامل مع آثار اضطراب البحر الأحمر، وقد أعلنت الرئاسة في ديسمبر 2024 أن إيرادات قناة السويس انخفضت بأكثر من 60% خلال العام مقارنة بعام 2023، بخسارة قاربت 7 مليارات دولار.

أي تصعيد جديد قد يرفع تكاليف التأمين والشحن، ويؤثر في عودة السفن إلى قناة السويس، ويضيف أعباء جديدة على الاقتصاد المصري. وهذه مخاطر محتملة وليست خسائر مؤكدة، لكنها تستحق أن تدخل في حسابات القرار.

هل هناك طريق آخر غير إرسال القوات؟

أعتقد أن مصر لا ينبغي أن تحصر خياراتها بين التدخل العسكري الكامل والابتعاد عن السعودية. هناك مساحة واسعة للتحرك يمكن استثمارها قبل الوصول إلى مواجهة مباشرة.

يمكن للقاهرة أن تقدم دعمًا دفاعيًا محددًا لحماية المنشآت والأراضي السعودية، مع وضع قيود واضحة تمنع استخدام القوات المصرية في عمليات هجومية داخل اليمن. ويمكنها تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية والإنذار المبكر، والتعاون في حماية الملاحة البحرية، دون أن يعني ذلك الدخول في عمليات قتالية مفتوحة.

والأهم من ذلك أن تستثمر مصر علاقاتها مع السعودية والقوى اليمنية المختلفة في تحريك مسار سياسي جاد.

في ديسمبر 2023، أعلن المبعوث الأممي إلى اليمن وجود التزامات من الأطراف بشأن وقف إطلاق النار وتحسين الأوضاع المعيشية واستئناف العملية السياسية، وأشاد بالدور السعودي والعماني في الوصول إلى هذه المرحلة.

هذه التجربة تقول إن التسوية السياسية ليست فكرة بعيدة عن الواقع. ومصر، بما تملكه من علاقات عربية وإقليمية، تستطيع أن تكون طرفًا مساعدًا في إعادة فتح قنوات التفاوض بين الرياض وصنعاء، بالتنسيق مع سلطنة عمان والأمم المتحدة.

ولا أرى أن هذا الدور يتعارض مع دعم السعودية؛ بل يمكن أن يكون أحد أهم أشكال حماية أمنها على المدى الطويل.

المشكلة ليست في السعودية.. بل في حدود الالتزام المصري

لا ينبغي أن تتحول العلاقة الاستراتيجية بين القاهرة والرياض إلى التزام عسكري غير محدد النهاية. فالسعودية دولة حليفة، وأمنها مهم لمصر، لكن مصر أيضًا لديها مصالحها الخاصة وملفاتها المفتوحة في السودان وليبيا والقرن الأفريقي وشرق المتوسط.

ولا يمكن أن ننسى أن اليمن يقع على مقربة من أحد أهم شرايين الاقتصاد المصري. فباب المندب ليس مجرد مضيق بحري بعيد، وإنما المدخل الجنوبي للبحر الأحمر الذي تمر عبره السفن المتجهة إلى قناة السويس.

وأي مواجهة طويلة في هذه المنطقة ستجعل مصر معنية بتداعياتها حتى لو لم تشارك فيها. فما بالنا إذا أصبحت قواتها جزءًا من المعادلة العسكرية؟

أستحضر هنا تجربة مصر في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي. لا أقول إن التاريخ سيتكرر بالصورة نفسها، فالظروف تغيرت والأسلحة تغيرت، لكن الدرس الذي لا ينبغي نسيانه هو أن التدخل في اليمن قد يبدأ بأهداف محددة، ثم تتدخل طبيعة الأرض وتعدد الأطراف وتعقيدات الصراع لتفرض حسابات مختلفة تمامًا.

الخلاصة

أنا مع الدفاع عن أمن المملكة، لكنني لا أرى أن حماية هذا الأمن يجب أن تعني فتح جبهة جديدة على مصر دون تحديد دقيق للأهداف والمدة والتكلفة وقواعد الاشتباك.

إذا كانت المشاركة ضرورية، فيجب أن تكون محدودة وواضحة، وأن تظل مهمتها دفاعية بالفعل، مع وجود آلية معلنة لمراجعتها وإنهائها. أما إذا تطورت إلى ضربات داخل اليمن، فستكون القاهرة أمام قرار مختلف تمامًا، لا يجوز تمريره باعتباره امتدادًا طبيعيًا للمهمة الأولى.

مصر تحتاج إلى أن تحافظ على دورها العربي، لا أن تفقد قدرتها على الوساطة بسبب انحياز عسكري قد يضعها في مواجهة طويلة. كما تحتاج إلى حماية قناة السويس والبحر الأحمر، لا إلى تحمل مخاطر إضافية في منطقة تمثل شريانًا أساسيًا لاقتصادها.

قد يكون الدفاع عن أمن المملكة ضرورة تفرضها ظروف المرحلة، لكن تحويل هذه الضرورة إلى حرب مفتوحة ليس أمرًا حتميًا ولا ينبغي أن يكون خيارًا بلا حساب.

وأقولها بوضوح: أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تدخل مصر هذه المواجهة وهي تعرف كيف تبدأها، لكنها لا تعرف ما الذي ستفعله إذا قرر الطرف الآخر توسيعها.

محمود سيد محمد

الموسسة المصريه للدراسات السياسية والفكر الاستراتيجي.